محمد نبيل المصرى
عندما نقرأ أن مصر تصدرت إفريقيا في القيمة المضافة الصناعية عام 2026 بقيمة تقترب من 59 مليار دولار، فقد يعتقد البعض أن المقصود هو حجم الاقتصاد المصري أو إجمالي مبيعات المصانع، لكن الحقيقة أن هذا المؤشر يقيس شيئا أكثر أهمية. فالقيمة المضافة الصناعية تعني مقدار الثروة الجديدة التي تخلقها الصناعة داخل الاقتصاد بعد خصم تكلفة المواد الخام والمكونات المستخدمة في الإنتاج.

ولتوضيح الفكرة بشكل مبسط، إذا اشترى مصنع أثاث أخشابا بمليون دولار ثم باع منتجاته النهائية بمليون ونصف المليون دولار، فإن القيمة المضافة التي خلقها المصنع ليست مليون ونصف المليون دولار، بل نصف مليون دولار فقط. هذا المبلغ يمثل قيمة العمل والخبرة والتصميم والتكنولوجيا والإدارة والنقل التي أضيفت داخل الدولة. لذلك يعتبر هذا المؤشر من أهم المؤشرات الاقتصادية في العالم لأنه يقيس القوة الحقيقية للصناعة وقدرتها على خلق الوظائف والدخل والثروة.

ويستند هذا المؤشر إلى بيانات الحسابات القومية التي تجمعها الحكومات ويقوم البنك الدولي والمؤسسات الاقتصادية الدولية باستخدامها ومقارنتها بين الدول. ولهذا السبب يعد من أكثر المؤشرات استخداما عند تقييم القوة الصناعية للدول.

وفقا للبيانات المتداولة لعام 2026، احتلت مصر المركز الأول إفريقيا في القيمة المضافة الصناعية بقيمة بلغت نحو 59 مليار دولار، متقدمة على نيجيريا التي سجلت نحو 55 مليار دولار وجنوب إفريقيا التي سجلت نحو 49 مليار دولار. كما جاءت مصر في المرتبة الحادية والثلاثين عالميا، وهو ترتيب يضعها ضمن أكبر الاقتصادات الصناعية في العالم خارج مجموعة القوى الصناعية الكبرى التقليدية.

أما على مستوى الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، فتعد مصر واحدة من أكبر القوى الصناعية في المنطقة، وتأتي ضمن الدول الأكثر إنتاجا صناعيا إلى جانب تركيا والسعودية وإيران، مع اختلاف الترتيب من سنة إلى أخرى وفقا لطريقة القياس وسعر الصرف وحجم الإنتاج.

ومن المهم الإشارة إلى أن مصر لم تكن دولة صناعية هامشية قبل عام 2014. فبحسب الدراسات الدولية كانت مصر بالفعل من أكبر الاقتصادات الصناعية في إفريقيا خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وكانت تنافس جنوب إفريقيا ونيجيريا على المراكز الأولى. لذلك فإن الصورة الدقيقة ليست أن مصر انتقلت من مركز متأخر إلى المركز الأول، بل إن مصر كانت بالفعل ضمن الكبار ثم عززت موقعها ووسعت الفارق خلال السنوات اللاحقة.

في عام 2012 كانت مصر لا تزال من أكبر الدول الصناعية في القارة الإفريقية، لكنها كانت تواجه تحديات كبيرة نتيجة الاضطرابات السياسية والاقتصادية التي أعقبت أحداث 2011، إضافة إلى تراجع الاستثمارات وأزمات الطاقة وانقطاع الكهرباء وعدم استقرار بيئة الأعمال. هذه العوامل أثرت على معدلات النمو الصناعي وعلى قدرة المصانع على التوسع والإنتاج.

منذ عام 2014 تبنت الدولة المصرية بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي برنامجا واسعا لتطوير البنية التحتية وتحسين بيئة الاستثمار. تم إنشاء آلاف الكيلومترات من الطرق والمحاور الجديدة، وتوسيع الموانئ البحرية، وتطوير المناطق الصناعية، وإنشاء مدن جديدة، كما تم إنهاء أزمة الكهرباء التي كانت تمثل أحد أكبر التحديات أمام الصناعة.

وساهمت اكتشافات الغاز الطبيعي الكبرى، وعلى رأسها حقل ظهر، في توفير مصادر مستقرة للطاقة، بينما ساعدت المنطقة الاقتصادية لقناة السويس والمناطق الصناعية الجديدة على جذب استثمارات محلية وأجنبية في قطاعات متنوعة تشمل الصناعات الغذائية والدوائية والهندسية والكيماوية ومواد البناء والأجهزة المنزلية.

كما ساهمت سياسات توطين الصناعة وتشجيع التصنيع المحلي في زيادة الإنتاج وتقليل الاعتماد على الواردات في عدد من القطاعات. واستفادت مصر كذلك من موقعها الجغرافي واتفاقيات التجارة الحرة التي تمنح المنتجات المصرية إمكانية الوصول إلى أسواق واسعة في إفريقيا والعالم العربي وأوروبا.

لذلك فإن تصدر مصر لإفريقيا في القيمة المضافة الصناعية عام 2026 لا يعني فقط وجود عدد أكبر من المصانع، بل يعكس قدرة الصناعة المصرية على خلق قيمة اقتصادية حقيقية داخل الاقتصاد الوطني. وهو مؤشر يرتبط مباشرة بفرص العمل والدخل والصادرات ونقل التكنولوجيا ومستوى التطور الاقتصادي. وبينما كانت مصر بالفعل قوة صناعية مهمة في عام 2012، فإن السنوات التي تلت 2014 شهدت توسعا ملحوظا في حجم النشاط الصناعي والبنية الأساسية والطاقة والاستثمارات، ما ساهم في ترسيخ موقعها كأكبر اقتصاد صناعي في إفريقيا وفقا لهذا المؤشر.