الاب جون جبرائيل
أ. اللاهوت بوصفه فعلًا: فهم الإيمان
لا بدّ، في البداية، من توضيح المقصود باللاهوت عمومًا، ثمّ بلاهوت الخلاص التاريخيّ على نحو خاص. غير أنّ هذا التوضيح لا يدّعي تقديم تعريف شامل ونهائي، بل يكتفي بتقديم فهم تمهيدي يمهّد الطريق للتأمل اللاحق.
إذا نظرنا إلى اللاهوت بوصفه فعلًا إنسانيًّا، أمكن تعريفه بالتعبير الكلاسيكيّ «intellectus fidei»، أي "فهم الإيمان". والمقصود هنا أنّ اللاهوت يفترض الإيمان مسبقًا، ثمّ ينطلق منه نحو فهمٍ أعمق لما يؤمن به الإنسان.
فاللاهوت لا ينشأ إلّا حين يتقدّم الإيمان، من خلال التأمّل والاستيعاب العقليّ، نحو إدراكٍ أوضح لمضمونه، من دون أن يفقد طبيعته الإيمانيّة. وهذا ما عبّر عنه التقليد الكلاسيكيّ بعبارة «fides quaerens intellectum»، أي «الإيمان الساعي إلى الفهم».
إنّ الإيمان، بهذا المعنى، ليس اقتناعًا فكريًّا فحسب، بل هو خضوع الإنسان كلّه لكلمة الله. فحسب بولس الرسول، الإيمان هو قبل كلّ شيء «طاعة الإيمان» (روم 1: 5)، أي قبول كلمة الله والانقياد لها.
ولهذا ترتبط نشأة الإيمان بسماع الكلمة المعلنة في الكنيسة:
«فالإيمان إذًا من السماع، والسماع بكلمة المسيح» (روم 10: 17).
ومن ثمّ فإنّ اللاهوت يفترض دائمًا هذا السماع. إنّه لا يبدأ من تأمّلٍ عقليّ مستقلّ، بل من الكلمة التي يسمعها المؤمن ويقبلها بالإيمان.
غير أنّ اللاهوت ليس الإيمان نفسه، بل فهم الإيمان. فالإيمان يعبّر عن نفسه في الاعتراف والشهادة والدعوة إلى الله، بينما يحاول اللاهوت أن يفهم ما يؤمن به الإنسان وأن يعبّر عنه تعبيرًا واعيًا ومنهجيًّا. ولهذا يضيف اللاهوت إلى الإيمان عنصر التأمّل العقليّ المنظّم.
فكلّ مؤمن يحاول أن يعي إيمانه ويعبّر عنه يمتلك، بمعنى ما، نوعًا من اللاهوت. أمّا اللاهوت العلميّ فلا يبدأ إلا عندما تُمارس هذه العمليّة بصورةٍ منهجيّة ونقديّة، مستخدمة جميع أدوات الفكر الإنساني المتاحة.
لكنّ هذا الطابع النقديّ لا يعني إخضاع موضوع الإيمان لسلطة العقل أو السيطرة عليه، بل يعني استعمال العقل بأقصى درجات الدقّة لفهم ما يُعطى في الإيمان.
ومن ثمّ يمكن القول إنّ اللاهوت، في معناه الأول، هو:
التأمل المنهجي والنقدي فيما تعلنه الكنيسة في الكرازة، وفيما يقبله الإنسان بالإيمان خضوعًا لكلمة الله.
عن الألمانيّة:
Johannes Feiner and Magnus Löhrer, eds., Mysterium Salutis: Grundriß heilsgeschichtlicher Dogmatik, vol. 1, Die Grundlagen heilsgeschichtlicher Theologie (Einsiedeln: Benziger Verlag, 1965), xxv–xxvii.





