الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
حرق الإنجيل، تمزيق الأيقونات، وحرّية التعبير التي لا تعجبنا
انتشر خبر القبض على شخص ظهر في فيديو يمزّق صورًا دينية مسيحية ويهين رموزًا مقدسة. وكالعادة انقسم الناس سريعًا بين من يطالب بأشد العقوبات لأن المقدسات أُهينت، ومن يرفع شعار حرّية التعبير. لكن السؤال الحقيقي أعمق من ذلك.
دعونا نكن واضحين: ما فعله هذا الشخص لا يُعدّ موقفًا محترمًا ولا نقدًا فكريًا جادًا. تمزيق أيقونة أو إنجيل أو مصحف هو في الغالب فعل استفزازي أكثر منه فعلًا فكريًا. لكن هل كل فعل مستفز يجب أن يتحول إلى جريمة؟
هنا يجب التمييز بين أمور مختلفة. يوجد فرق بين أن يعلن شخص أنه لا يؤمن بدين معيّن، أو يرفض عقيدة دينية، أو يسخر من رمز ديني، وبين أن يدعو إلى العنف ضد أتباع هذا الدين أو التحريض عليهم أو التمييز ضدهم. الأولى تدخل في إطار حرّية الفكر والتعبير، حتى لو كانت جارحة أو مستفزة أو قليلة الذوق. أما الثانية فهي اعتداء على أشخاص حقيقيين وحقوق حقيقية، وهنا نكون أمام جريمة تستوجب تدخل القانون.
المشكلة أنّنا كثيرًا ما نخلط بين نقد الدين والاعتداء على المؤمنين. وبين رفض العقيدة والتحريض على أصحابها. فيتحول كل اعتراض إلى ازدراء، وكل اختلاف إلى تهديد للأمن العام.
ثم توجد نقطة أخرى كثيرًا ما ننساها. ما أقدّسه أنا ليس ملزمًا للآخر أن يقدّسه. بل إنّ إيماني بالله نفسه يُعدّ، في نظر بعض الناس، أمرًا غير عقلاني أو غير مقنع. ومع ذلك لا أطالبهم بالإيمان بما أؤمن به. وهذه في الحقيقة ليست نقطة ضعف بل نقطة قوة لكل مؤمن. فالإيمان ليس فكرة بديهية يسلّم بها الجميع تلقائيًا، بل هو طريق شخصي يتطلب تفكيرًا وتأملًا واختيارًا. ولذلك ينبغي أن أكون قادرًا على أن أشرح لماذا أؤمن، لا أن أطالب الآخرين بمجرد التسليم بما أراه مقدسًا.
هذا لا يعني أنّ الاحترام غير مهم. بالعكس، الاحترام المتبادل ضروري لأي مجتمع سليم. لكن الاحترام لا يُفرض بالقوة، ولا تصنعه المحاكم. القانون يستطيع أن يمنع العنف والكراهية والتمييز، لكنه لا يستطيع أن يفرض الاقتناع أو التقدير أو المحبة.
لذلك أرفض الإساءة إلى المقدسات، لكنني أرفض أيضًا الخلط بين الإساءة إلى رمز ديني وبين التحريض على العنف ضد المؤمنين. فالإيمان الواثق من نفسه لا يخاف من النقد، ولا يحتاج إلى السجن كي يحمي ذاته.
قبل أن نقول: العيال بتلحد، لنسأل أنفسنا: هل نريد مؤمنين لأنهم اقتنعوا؟ أم لأنهم خافوا؟ وهل نثق في قوة الحقيقة وقدرتها على الإقناع، أم نثق أكثر في قوة العقوبة؟
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ





