...د / اسطفانوس زكى...
يُعد الأول من يونيو يومًا مميزًا في التاريخ المصري عامة والتاريخ المسيحي خاصة، إذ يرتبط بذكرى دخول السيد المسيح إلى أرض مصر وهو طفل صغير، برفقة أمه القديسة العذراء مريم والقديس يوسف النجار، هربًا من بطش الملك هيرودس الذي أمر بقتل أطفال بيت لحم من عمر سنتين فما دون، بعدما علم من المجوس بميلاد ملك جديد لليهود.

وفي كل مرة نتأمل هذا الحدث، نتوقف أمام مفارقة عميقة: كيف يدخل ملك الملوك إلى أرض مصر لا كمنتصرٍ عظيم، بل كطفل صغير، محمول على ذراعي أمه، يسير في طريق لا يحمل ضمانات بشرية، لكنه ممتلئ بالعناية الإلهية؟

ومع ذلك، فإن ما بدا هروبًا في أعين البشر، كان في قلب التدبير الإلهي بداية قصة بركة عظمى، إذ شاء الله أن تكون مصر ملجأً لابنه، وأن تتحقق فيها النبوة: «مِنْ مِصْرَ دَعَوْتُ ابْنِي» (هوشع ١١: ١؛ متى ٢: ١٥). وهكذا تدخل مصر في نسيج القصة الكتابية، لا كخلفية للأحداث، بل كشاهد حي على العناية الإلهية.

لم تكن رحلة العائلة المقدسة مجرد لحظات عابرة، بل طريقًا طويلًا عبر أرض مصر، بدأ من سيناء، مرورًا بالدلتا، ثم وادي النطرون، فمصر القديمة والمعادي، حتى وصل إلى الجنوب حيث دير المحرق بجبل قسقام في أسيوط، الذي يُعد أحد أهم محطات هذه الرحلة المباركة.

ولم تكن الرحلة مجرد مسافات تُقطع، بل كانت أرضًا تتبارك
ومن اللافت للنظر أن مصر التي احتضنت يوسف قديمًا لتكون مصر سلة غذاء للعالم في زمن المجاعة، هي نفسها التي احتضنت الطفل يسوع . وكأن الله يكتب تاريخًا واحدًا ممتدًا لهذه الأرض، تاريخًا لا يقوم على القوة، بل على العناية الإلهية.

وبعد هذا الحدث بسنوات قليلة، شهدت أورشليم يوم الخمسين، حيث حضر مصريون ضمن الشعوب التي سمعت إعلان الإنجيل (أعمال الرسل ٢). ومن المؤكد أن بعضهم عاد إلى مصر حاملًا بذور الإيمان الأولى، لتبدأ قصة ممتدة من العمل الإلهي في هذه الأرض.ثم جاء مرقس الرسول إلى الإسكندرية، حاملًا بشارة الإنجيل، لتبدأ مرحلة جديدة في تاريخ الكنيسة في مصر، حيث أصبحت الإسكندرية مركزًا روحيًا وفكريًا عالميًا.

و نشأت مدرسة الإسكندرية اللاهوتية، التي اهتمت بابراز الجانب الرمزى للنصوص الكتابية .

وبرز فيها العلامة أوريجانوس الذي أسس منهج التفسير الرمزي للنصوص الكتابية، والقديس أثناسيوس الرسولي الذي دافع عن ألوهية المسيح في مجمع نيقية سنة ٣٢٥م، والقديس كيرلس الكبير الذي صاغ فهمًا عميقًا لاتحاد اللاهوت والناسوت في شخص المسيح الواحد، وغيرهم من الآباء الذين تركوا أثرًا ممتدًا في تاريخ الكنيسة والفكر المسيحي.
ومن المهم أن نُدرك أن كلمة “قبط” في أصلها التاريخي لم تكن تشير إلى طائفة دينية، بل إلى المصريين جميعًا، ثم ارتبطت لاحقًا بالمسيحيين المصريين عبر التاريخ.
وهكذا وفى الاول من يونيو ونحن نتذكر رحلة العائلة المقدسة و نحتفل باليوم العالمي للأقباط، فإننا لا نحتفل باختلافات بل بتراث مشترك يجمع المسيحيين المصريين جميعًا، رغم تنوع الممارسات والاجتهادات، إذ يجمعهم قلب إيمان واحد:

الإيمان بالله الواحد الآب والابن والروح القدس،
والإيمان بأن يسوع المسيح هو رب ومخلص متجسد لأجل خلاص العالم،
والإيمان بموته الكفاري على الصليب وقيامته المجيدة من بين الأموات،
والإيمان بصعوده إلى السماوات ومجيئه الثاني للدينونة،
والإيمان بعمل الروح القدس في الكنيسة وتجديد الحياة،
والإيمان بسلطان الكتاب المقدس ككلمة الله الحية،
والإيمان بالحياة المقدسة والتوبة والإيمان العملي.

وفي هذا السياق، نعتز ونفخر بدور كنيستنا الإنجيلية في مصر منذ نشأتها في التعليم والاهتمام بدرس الكتاب المقدس، والترنيم والموسيقى وفي خدمة المجتمع، وإقامة المدارس والمستشفيات، والعمل الاجتماعي والتنمية، وإبراز عقيدة كهنوت جميع المؤمنين ، بما يعكس محبة المسيح للإنسان عمليًا وحقيقيًا.

إن أجمل ما في هذه الرحلة أنها لا تزال تتحدث إلينا حتى اليوم، فهي تقول إن الله قادر أن يحول الخوف إلى سلام، والطريق المجهول إلى بركة، والهروب إلى بداية جديدة، والغربة إلى حضن نعمة.

وتقول أيضًا إن مصر التي احتضنت المسيح مدعوة دائمًا أن تكون أرضًا للسلام والمحبة وقبول الآخر، وأن ما يجمع المؤمنين في المسيح أعظم بكثير مما يفرقهم .

لقد مر على مصر ملوك وأباطرة وقادة كثيرون، لكن أعظم من مرّ عليها كان الطفل يسوع المسيح. ولهذا يبقى مسار العائلة المقدسة أكثر من طريق في التاريخ؛ إنه دعوة دائمة إلى الإيمان والرجاء والمحبة، وإلى السير معًا في نور المسيح الذي يجمع الجميع.

...يا ربنا وإلهنا....
نشكرك لأنك باركت أرض مصر بزيارة ابنك الوحيد يسوع المسيح، وجعلتها ملجأً للعائلة المقدسة في وقت الضيق والخوف.

نصلي أن تحفظ مصر وشعبها، وأن تملأها سلامًا ومحبة، وأن توحد قلوب المؤمنين، وتجعلها دائمًا أرضًا لنشر الخير والبركة والسلام
لك المجد إلى الأبد. آمين.
...د / اسطفانوس زكى...