محرر الأقباط متحدون
يستعد البابا لاون الرابع عشر للقيام بزيارة رسولية إلى إسبانيا تشمل مدريد وبرشلونة وجزر الكناري: رحلة يمكن اعتبارها حجاً إلى قلب أوروبا، لما تختزنه من قضايا وتحديات تواجه الكنيسة والمجتمعات الأوروبية اليوم.
عشية بداية هذه الزيارة كتب مدير التحرير في دائرة التواصل الفاتيكانية أندريا تورنيلي مقالا لفت فيه إلى أن الزيارة تأتي بعد سلسلة من الرحلات التي قام بها البابا إلى مناطق مختلفة من العالم، حملت رسائل تتعلق بالحوار والسلام والعمل الرسولي. أما في إسبانيا، فإن التحدي الرئيسي يتمثل في لقاء مجتمع أوروبي يعيش حالة من الاستقطاب السياسي والثقافي، رغم جذوره المسيحية العميقة.
في العاصمة مدريد، كتب تورنيلي، سيلتقي البابا أعضاء البرلمان الإسباني، ما يؤكد رؤية الكنيسة لدور السياسة وخدمة الصالح العام، مع أن الكنيسة لا تسعى إلى التحالف مع مراكز السلطة أو الارتهان لها، لكنها في الوقت نفسه ترفض حصر الإيمان في المجال الشخصي والخاص. فالإيمان المسيحي، بحسب هذا المنظور، ينبغي أن يترجم إلى التزام عملي من أجل بناء مجتمع أكثر عدالة وإنسانية، وأكثر اهتماماً بالفئات الضعيفة والمهمشة. كما أن هذه المحطة ستستحضر التاريخ المعقد لإسبانيا، التي لا تزال تحمل آثار الحرب الأهلية والانقسامات التي خلفتها، وهو ما يجعل من رسالة الوحدة والحوار تحدياً مستمراً للكنيسة والمجتمع معاً.
أما المحطة الثانية في برشلونة، فتدور حول سؤال جوهري: كيف يمكن إعلان الإنجيل في مجتمع يتجه أكثر فأكثر نحو العلمنة، رغم أن هويته تشكلت عبر قرون من التراث المسيحي؟ ورأى تورنيلي أن إحدى الإجابات تكمن في لغة الجمال. ففي زيارة البابا إلى كنيسة العائلة المقدسة الشهيرة، وافتتاحه البرج الأعلى المخصص للسيد المسيح، تتجسد قوة الفن والعمارة في نقل الرسالة الدينية. فالكنيسة عبر تاريخها استخدمت اللوحات والفسيفساء والمنحوتات كوسائل للتعليم والتبشير، وتبقى كنيسة العائلة المقدسة مثالاً معاصراً على هذا الدور.
كما سلط تورنيلي الضوء على إرث المهندس المعماري أنطوني غاودي، الذي تحل هذا العام الذكرى المئوية لوفاته، والذي تُعد أعماله تجسيداً فريداً للتلاقي بين الإبداع الفني والإيمان. فالبازيليك الشهيرة لا تُقدَّم بوصفها مجرد إنجاز معماري، بل باعتبارها رحلة بصرية وروحية تقود الزائر إلى جوهر العقيدة المسيحية. كما أن هذه الرسالة تكتسب أهمية خاصة في أوروبا المعاصرة، حيث تراجعت عملية نقل الإيمان داخل الأسرة، ولم يعد الانتماء الديني أمراً بديهياً كما كان في السابق، ما يجعل الحاجة إلى أشكال جديدة من الكرازة بالإنجيل والتواصل أكثر إلحاحاً.
أما المحطة الأخيرة فستقود لاون الرابع عشر إلى جزر الكناري، حيث يقترب من واحدة من أكثر القضايا الإنسانية إلحاحاً في أوروبا اليوم، وهي قضية الهجرة. فهذه الجزر تشكل إحدى البوابات الرئيسية التي يصل عبرها آلاف المهاجرين الفارين من الفقر أو الحروب أو الأزمات المختلفة، بعد رحلات بحرية محفوفة بالمخاطر قد يلقى كثيرون حتفهم خلالها.
ولفت تورنيلي في هذا السياق إلى أن أوروبا ما تزال عاجزة عن معالجة هذه الظاهرة بشكل شامل ومنظم، وغالباً ما تُترك الدول الأكثر تعرضاً لتدفقات الهجرة، ومنها إسبانيا، لمواجهة التحديات وحدها. وهنا لا بد من الربط بين موقف البابا وتعاليم الكنيسة التي تؤكد ضرورة الوقوف إلى جانب الفقراء والمتألمين والغرباء. فالمطلوب هو النظر إلى العالم من منظور الأشخاص الأكثر ضعفاً ومعاناة، لا من زاوية أصحاب النفوذ والقوة. ولذلك تمثل زيارة جزر الكناري تعبيراً عملياً عن التضامن مع المهاجرين واللاجئين وكل من يعيشون على هامش المجتمع.
وخلص مقال أندريا تورنيلي إلى أن زيارة الحبر الأعظم تحمل ثلاث رسائل مترابطة: الدعوة إلى خدمة الخير العام في زمن الانقسامات؛ البحث عن طرق جديدة لنقل الإيمان عبر لغة الجمال والثقافة؛ والالتزام بقضايا المهاجرين والمهمشين من منطلق إنساني وإنجيلي. وهي رسائل تتجاوز حدود إسبانيا لتخاطب أوروبا بأسرها، وتدعو الجميع إلى الحفاظ على القيم الإنسانية والتضامن مع الأكثر حاجة، لأن المسؤولية المشتركة تتطلب منا أن نبقى أشخاصاً قادرين على رؤية معاناة الآخرين وتلبية احتياجاتهم.




