بقلم الأب يسطس الأورشليمى
أولاً: الحياة الفاضلة ليست مُجرد أخلاقيات اجتماعية، وسلُوك أدبي يتدّرب عليه الإنسان بقدراته الخاصة وجهاده الذاتي، وإنما هُو تفاعل حيّ مع الوصية الإلهية في المسيح يسُوع، فإن كان الرسُول يُوصيهُم إنما في الرّب، وليس من عنده وإلاّ كانت وصايا بشرية، قد تكُون براقة وجميلة لكنها عاجزة عن العمل في أعماق القلب، فهي حية وفعالة وأمضي من كُل سيف ذي حدين وخارقة إلى مفرق النفس والرُوح والمخاخ..
إذاً نسعى كسفراء عن المسيح، كأن الله يعظ بنا، نطلب عن المسيح: تصالحُوا مع الله، فنحنُ لا نقبل الوصية إلا بكُونها وصية إلهية يُعلنها المسيح فينا، لكي يكُون لها سلطان في داخلنا لتغيير حياتنا والدخُول بنا إلى أعماق جديدة، راجع (2كو2:5؛ عب12:4)..
قُول الرسُول: في الرّب يسُوع، تعني أنه لا يتحدث معنا إلاّ وهُو مُختفي في الرّب يسوُع، حيثُ يجد له في أحشائه مُوضع راحة وسلام فائق متذُوقاً الحُب الإلهي فيه، فالحياة الفاضلة في جُوهرها هي: الدخُول المُستمر في الرّب، للتمتع بأعماق جديدة خلال نعمته في القلُوب..
ثانياً: نحنُ نتقبل الوصية الإلهية خلال التسليم، فالسلُوك المسيحي هُو جزء لا يتجزأ من التسليم الرسُولي، إنه مُرتبط بالإيمان، وإنجيل المسيح الذي تقبلته الكنيسة من المسيح خلال تلاميذه كتقليد حيّ يعيشه المُؤمنُون ويُسلم خلالها عبر الأجيال، هكذا بالتقليد نتقبل الإنجيل لا كأفكار عقائدية مُجردة، وإنما بالحري حياة إيمانية عملية مُعاشة في القلب في الداخل، ومُعلنة خلال العبادة الجماعية، والعائلية، والشخصية..
ثالثاً: غاية الحياة الفاضلة هي: أن تسلكُوا وترضُوا الله، فلم يكن ممكناً إرضاء الله بعد أن فقد الإنسان صُورة الله وتشُوه المثال، يتطلع الله إلى البشرّية بعد سقُوطها فلا يشتم فيها رائحة رضا، بل يجد الجميع قد فسدُوا وزاغُوا معاً، ليس مَن يعمل صلاحاً ليس ولا واحد، لكن إذ جاء كلمة الله متجسداً وحل بيننا، انفتحت السماوات لنسمع بوضُوح صُوت الآب:
هذا هُو ابني الحبيب الذي به سُررتُ، له اسمعُوا (مت17:3)..
سمعناه حين دخل المسيح إلى مياه المعمُودية في الأردُن، وحين ارتفع بتلاميذه على جبل التجلي، ونحنُ إذ نقبل العضُوية في جسده المُقدس، إنما نتقبل رضا الآب وسُروره، حيثُ يرانا متحدين في ابنه، موضُوع سرُوره وإذ يرتفع بنا الرُوح القُدس على جبال الكتاب كما على جبل تابُور ليتجلى مسيحنا فينا، ويُعلن ملكُوته في داخلنا بثمرة رُوحه فينا..
فالآب يجذبني إلى الابن، والرُوح القُدس الذي في داخلي يُضيء ويُنير لي، والابن يأخذني بالرُوح القُدس إلى الآب الذي يجد ابنه فيّ، فيغفر لي خطاياي بدم الابن، ويقُول: هذا هُو ابني الحبيب الذي به سُررتُ..
راجع الكتاب (يو44:6؛ 1كو3:12؛ عب6:11)..
إن كانت الحياة الفاضلة هي دخُول في المسيح يسُوع، فإننا نجد فيه رضا الآب وسرُوره، وخارجاً عنه وبدُون الإيمان لا يمكن إرضاؤه، فالحياة الفاضلة ليست مُجرد سلُوك اجتماعي فيه يلتزم الإنسان ألا يضر الغير، بل يُعينه ويسنده ويدخل ويتحد مع الله في المسيح، لكي يستريح بنا وفينا بكُوننا أعضاء جسد ابنه، مُقدماً لنا مُوضعاً في أحضانه الأبُوية..
رابعاً: يقُول الرسُول: تزدادُون أكثر، وبهذا المفهُوم لا تقف الحياة الفاضلة عند حدُود، إذ لا يستريح المُؤمن حتى يبلغ إلى قياس قامة ملء المسيح، ويحمل سماته واضحة ونامية فيه بلا انقطاع حيثُ يتجلى الرّب نفسه فيه من يوم إلى يوم ليدخل به إلى عظم بهائه، من خلال الجهاد الذي لا ينقطع كجندي صالح ليسُوع المسيح، وفي جهاده لا يطلب مديح الناس، بل رضا الله، راجع (غل17:6؛ أف13:4؛ 2تي4:2)..
خامساً: لخص الرسُول الحياة الفاضلة المُرضية عند الآب قائلاً:
لأن هذه هي إرادة الله قداستكُم، اتبعُوا السلام مع الجميع والقداسة التي بدُونها لن يرى أحدٌ الرّب، ويقُول: أحفظ نفسك طاهراً..
راجع الكتاب (2كو6:6؛ 1تي22:5؛ عب14:12)..
في (مز90) يقُول مُوسى: أيام سنينا هي سبعُون سنة، وإن كانت مع القُوة فثمانُون سنة وأفخرُها تعبٌ وبليةٌ، كيف يقُول هذا وقد عاش هُو 120 سنة، إلا لأنه حسب أن أيامه انتهت عند الثمانين مع القُوة، وأما الأربعين عاماً فهي هبة من الله له، حيثُ كان في حُكم الموت، ووهبه الله الحياة لكي يخدم لحساب ملكُوته؟! عاش 120 سنة، ولم تكل عينه ولا ذهبت نضارته، إشارة إلى تمتع المُؤمن باستنارة دائمة وشبُوبية دُون أن تُصاب نفسه الداخلية بالعمى، فالمسيحي الحقيقي لا يعرف إنسانه الداخلي الشيخُوخة، بل يجدد الرُوح القُدس مثل النسر شبابه..
وكما أن العين عندما تكُون صافية، ترى الشمس دائماً بوضُوح، هكذا العقل النقي ينظر مجد نُور المسيح، ويكُون مع الرّب ليلاً ونهاراً، وهذا لا يتحقق إذا لم يُؤمن الإنسان ويحب الرّب بكُل قلبه، وفي هذه الحالة تستطيع قوة الرُوح أن تجمع القلب المشتّت، وتنقل الذهن إلى العالم الأبدي، وبذلك نقُول مع بُولس: فإن مواطنتنا هي في السماوات..
قالوا لأحد الفلاسفة: لقد صرت شيخاً مسناً فلتسترح من أتعابك..
أجاب: إن كُنت قد ركضت في الميدان كُل هذا الزمان، فهل أتلكأ في السير بعد أن اقتربت من النهاية، أما يليق بي أن أسرع إلى الأمام؟!
لقد سمع القديس يُوحنا الحبيب صُوتاً من السماء يصف الحياة الأبدية: هُوذا مسكن الله مع الناس، وهُو سيسكُن معهُم، وهُم يكُونُون له شعباً، والله نفسه يكُون معهُم إلهاً لهُم، وسيمسح الله كُل دمعةٍ من عيُونهُم، والمُوت لا يكُون في ما بعد، ولا يكُون حُزنٌ ولا صراخٌ ولا وجعٌ في ما بعد ... لأن الخرُوف الذي في وسط العرش يرعاهُم، ويقتادُهم إلى ينابيع ماءٍ حيةٍ، ويمسحُ الله كُل دمعةٍ من عُيونهم (رؤ17:7؛ 3:21)..





