(د. أشرف ناجح إبراهيم عبد الملاك)

١. القدّيسين يوحنّا الصّليب وتيريزا الأفيليّة وأغناطيوس دي لويولا؛
٢. وعن التواصل والحوار بين المسيحيّين والمسلمين واليهود في إسبانيا؛
٣. وعن نصوص الفلاسفة ابن رشد المسلم (1126-1198) وموسى بن ميمون اليهوديّ (1138-1204).
فقال:
"أودّ أن أشير إلى شخصيَّتَين من هذا البلد، تغذّيان، منذ خمسة قرون، حياة الكنيسة والبحث الرّوحي للكثيرين، حتّى خارج حدوده المرئيّة. إنّهما يوحنّا الصّليب وتيريزا الأفيليّة، اللذان صارا صديقَين في حبّهما للسّرّ الإلهيّ. الخبرة الصّوفيّة في هذين الشّخصَين هي خبرة صوفيّة أعينها مفتوحة، أي أنّها ليست غريبة عن التّاريخ، بل العكس، تقود إلى جذور الأسئلة، وإلى قلب الواقع. على وجه الخصوص، فإنّ موضوع الليل، الذي كان عزيزًا جدًّا على قلب القدّيس يوحنّا الصّليب، الذي نحتفل بسنته اليوبيليّة، يساعدنا في تفسير التحوّلات وتحمّل التّوترات التي تجعل عصرنا مظلمًا جدًّا. ففي عطشه إلى النّور، تعلَّم، على نحوٍ يبدو متناقضًا، أن يقدّر الظّلمة، واصفًا إيّاها بأنّها "ليلٌ مبارك" (الليل المظلم، 3)، لأنّها الزّمن الذي تتحرّر فيه النّفس من كلّ ما كانت تظن أنّها تعرفه أو تمتلكه.
 
واليوم أيضًا، ما يخيفنا أكثر من غيره، وما يثير لدى الكثيرين ظلمة العقل والعنف في المشاعر، هو المجهول، الذي قد يسيطر علينا الشّعور أمامه بعدم وجود خرائط تهدينا، وبأنّنا ضللنا الطّريق. ولهذا السّبب، نحن بحاجة، في الحياة العامّة أيضًا، إلى رجال ونساء يستطيعون أن يلمحوا النّور في قلب الظّلمة، وأن يروا في النّهاية بدايةً ممكنة، كأنّها انبثاق حقيقةٍ تُعمِي بشدّة نورها، لكن، إن قويت ثقتنا وبلغنا السّلام، رفعنا نظرنا إليها: "يا ليلًا هديتَنا! يا ليلًا أحبَّ وأبهى من الفجر! يا ليلًا وحَّدتَ الحبيب بمحبوبته، وحوَّلتَ المحبوبةَ إلى الحبيب!" (المرجع نفسه، 5).
 
عصرنا هذا، الذي يبدو أنّه يهتز بسبب اختلالات وصراعات رهيبة، يصرخ في أعماقه من أجل السّلام، ومن أجل معرفة جديدة للإنسان وكرامته التي لا تُنتَهك، ومن أجل حضارة المحبّة (راجع رسالة بابويّة عامّة، الإنسانيّة الرّائعة، 186).
 
القدّيسة تيريزا وصفت هذا المسار نفسه بصورة القلعة الدّاخليّة. بالتّقدم من غرفة إلى غرفة نحو أعمق أجزائها، أي بتقدم كلّ واحد في أجزاء ذاته نحو قلبه، ذلك المَقدِس الذي تسكن فيه الحقيقة، يتسع الفضاء، وينفتح العقل، وتُحَلّ التّناقضات، وتذوب التّوترات، ويجد الآخرون فيه مكانهم، ويصير الكون بيتًا.
 
ليس الأمر هروبًا انطوائيًّا، بل هو انفتاح جذري على ”الآخر الكلّي والمختلف تمامًا، والجديد دائمًا" (totus Alius et semper Novus)، الذي يتحقّق عندما نعود إلى أنفسنا. هذا البعد من أبعاد الإنسان هو السّبب الذي يجعل من الضّروريّ حماية الحرّيّة الدّينيّة وحرّيّة الضّمير.
[...]
 
فقد شكّل وجود الإسلام في شبه الجزيرة الأيبيريّة، مثلًا، حقيقة سياسيّة وثقافيّة ودينيّة طويلة الأمد. خلال تلك الفترة، لم تكن هناك مواجهة فحسب،
بل جرت محاولات لخلق أماكن للتواصل والحوار حول معنى الحقيقة بين المسيحيّين والمسلمين واليهود. في مدرسة المترجمين التي أسّسها ألفونسو العاشر الحكيم، تعاون خبراء من الأديان الثّلاثة في ترجمة التّراث الغنيّ العربيّ واليونانيّ والعبريّ، ما ساهم في نشر نصوص مثل نصوص الفلاسفة ابن رشد (1126-1198) وموسى بن ميمون (1138-1204).
 
على وجه الخصوص، صارت مدن مثل قرطبة وطليطلة مكانًا للحوار بين اللغات والأديان والمعارف. وهذه هي الحقيقة التي ترويها المدن الأوروبيّة، بتراكيبها التّاريخيّة، ونسيج التّضامن الذي كوَّن اختلافاتها على مرّ القرون، فحوّل الصّراعات الحتمية إلى نقاط انطلاق.
 
وقد علّمنا ابن نبيل آخر من هذه الأرض، أنّه يمكننا في المحن والفشل، أن نعيد نظرنا في كلّ شيء: كان أغناطيوس دي لويولا يتحلّى بهذه الجرأة، فأعطى مصداقيّة لأحزان قلبه وأفراحه، وممارسته للتمييز الرّوحيّ والخيال جعلته يفضّل السّلام على السّلاح، ويفضّل القدّيسين على أصحاب السُّلطة. أدرك أنّ الخير الذي كان ينجذب إليه لم يكن خياليًا، فتحولّت أزمته إلى نعمة. ويمكن أن يحدث الشّيء نفسه مع ”المستجدات“ التي تقلقنا اليوم والتي ينقسم حولها احساسنا".