بقلم الأب يسطس الأورشليمى
   نامُوس موسي أُعطى بُواسطة الرُوح، أما هذا فيهب الذين يتقبلُونه الرُوح بغير حدُود، لذلك دعاه نامُوس الحياة، إذاً نامُوس المسيح الذي هُو نامُوس الرُوح هُو: تمتع بعطية الرُوح الذي يُحطم الخطية ويسندنا في صراعنا ضدها، واهباً إيانا رُوح النُصرة والغلبة فنُكلّل..   
 
لاحظ أن الرسُول يتحدث عن واهب نامُوس الرُوح أن هذا العمل هُو عطية الثالُوث القدُوس مُحب البشر الصالح، فالآب أرسل ابنه مبذُولاً لأجلنا والابن قدم نفسه فديه ليُدين خطايانا في جسده، والرُوح القُدس يسكن فينا ليعمل بنامُوسه بداخلنا، فالنامُوس عاجز.. 
 
 وهذا العجز لا يقُوم على عيب فيه، وإنما على فسادنا نحنُ الذين صرنا جسدانيين غير قادرين على تنفيذه، والرّب قال: ما جئت لأنقض (النامُوس)، بل لأكّمل، النامُوس يعمل ليجعل الناس أبراراً لكنه لم يستطع، فجاء السيد المسيح وفتح طريق البرّ بالإيمان، وما لم يستطع النامُوس أن يحققه بالحرف حققه هُو بالإيمان، راجع (مت17:5-20)..
 
لم يقل: دان الجسد، وإنما قال: دان الخطية، فصار الجسد مُقدساً مع النفس يحمل برّ المسيح وقُوة الرُوح، قادراً على الغلبة ضد الخطية..
 
  يقول: أرسل ابنه في شبه جسد الخطية، ليس لأنه لم يأخذ جسداً مثلنا، وإنما لأنه أخذ جسدنا بدُون الخطية، إذ لم يُخطيء قط، لذلك صار ذبيحة حقيقية عن الخطية، إذ هُو بلا خطية (2كو21:5)، فهُو حسب الناسوت إنسان في الجسد، حتى يمكن أن يعُرف، لكنه في القُوة هُو فُوق الإنسان ولا يمكن أن يُدرك، أخذ جسدنا لكنه ليس له سقطات الجسد..
 
 شبه جسد الخطية، لكي يتحد بطبيعتنا وننعم بالإتحاد معه، ونتمتع بعمله فينا بكُوننا أعضاء جسده، صار إنساناً ليؤلهنا فيه، ولُد من امرأة عذراء، ليُغير جيلنا الخاطيء، فنصير جنساً مُختاراً مُقدساً، وشركاء في الطبيعة الإلهية (2بط4:1)، في المحّبة والتضحية والبذل..  
 
 ماذا يعني أن يتحقق بّر النامُوس فينا؟!
 لا يعنى البرّ هُنا مُجرد عدم وجُود خطية، وإنما هُو التمتع بالنُصرة، فلا يقف عند السلبيات، والامتناع عن الخطية، إنما يجب ممارسة الإيجابيات والتزين بالصلاح، فالبرّ حياة ديناميكية مُستمرة، وعمل رُوحي غير متُوقف، فالمعمُودية لا تكفي لخلاصنا، ما لم نُمارس حياة لائقة بها..
 
 لا يقارن الرسُول هُنا بين جوهر الجسد بأعضائه وبين الرُوح، وإنما بين اهتمامات الجسد واشتياقاته، وشهُواته، واهتمامات، وإشتياقات الرُوح ونُؤكد أن الإنسان بجسده ورُوحه يمثل وحدة واحدة..
 
 وخلال هذه النظرة يُمكننا أن نعّرف اهتمام الجسد، بمعنى ترك الإنسان الجسد على هواه ليتعدى حدُوده، أما اهتمام الرُوح فيعني خضُوع الإنسان لرُوح الله، فيسلك كإنسان رُوحي يحقق هوى الرُوح، الأول يثمر مُوتاً أبدياً للنفس والجسد ويخلق عداوة لله، أما الثاني فيهب حياة وسلاماً أبدياً، ويُوجد رضّا في عيني الله، راجع (مت16:5)..