مجدي جورج
أولًا: أكتب هذا الكلام وأنا لا أعلم إن كان له علاقة مباشرة بقضية صبري نخنوخ أم لا، ولكنه يتضمن مجموعة من الوقائع التي قد تدعونا إلى الشك في أن كثيرًا من الأمور في الدولة المصرية تُدار وفق ما تريده السلطة وما ترغب فيه، وأن الإفراج عنه لم يكن محض صدفة، بل ربما كان نتيجة تخطيط مسبق بدأ منذ يوم سجنه وحتى الإفراج عنه، لاستخدامه في مرحلة معينة.
ثانيًا: جرت تعديلات تشريعية بعد سجن نخنوخ، تمهيدًا للاستفادة منها عند إعادة النظر في قضيته، التي كانت قد حُسمت أمام محكمة النقض عام 2014. ومع ذلك بدأ الحديث لاحقًا عن إمكانية إعادة فتحها أمام محكمة جنايات الإسكندرية للاستفادة من بعض هذه التعديلات التشريعية.
ثالثًا: هذه التعديلات التشريعية، باختصار، تعود إلى فترة المجلس العسكري، حيث صدر المرسوم بقانون رقم 6 لسنة 2012، في ظل انتشار البلطجة والسلاح آنذاك، وكان الهدف منه منع القضاة من النزول بالعقوبات المقررة لجرائم حيازة الأسلحة، كما كان يحدث وفق المادة 26 من قانون الأسلحة والذخائر رقم 394 لسنة 1954.
رابعًا: في عام 2014 أصدرت المحكمة الدستورية العليا، برئاسة الرئيس المؤقت السابق عدلي منصور، حكمها بعدم دستورية هذا القيد، معتبرة أن المرسوم رقم 6 لسنة 2012 ينتقص من سلطة القاضي التقديرية، وفقًا لما نشرته جريدة الوطن بتاريخ ٢٠١٤/١١/٩ . وبناءً على ذلك عاد للقاضي حقه في تخفيف العقوبات في هذه الجرائم.
خامسًا: في عام 2018 قضت المحكمة الدستورية العليا، برئاسة المستشار الدكتور حنفي علي جبالي، في الدعوى رقم 102 لسنة 36 قضائية، بما يُعد تأكيدًا للمبدأ نفسه، وهو حق القاضي في النزول بالعقوبة إذا رأى ما يبرر ذلك في جرائم حيازة الأسلحة، وفقًا لما نشرته جريدة اليوم السابع بتاريخ ٢٠١٨/١٠/١٣ .
سادسًا: في ذلك التوقيت، وبدلًا من السير في المسار القضائي لإعادة محاكمة نخنوخ، تم تجهيز التماس للحصول على عفو رئاسي عنه، وهو ما حدث بالفعل عام 2018. ومن قام بإعداد هذه الأوراق لم يفعل ذلك، في تقديري، إلا بعد حصوله على ضوء أخضر من جهات تملك سلطة اتخاذ القرار أو التأثير فيه.
سابعًا: العفو الرئاسي الذي حصل عليه صبري نخنوخ كان عفوًا عن العقوبة التي كان يقضيها، أي أنه أعفاه من استكمال مدة العقوبة، وأنهى آثار تنفيذها بالنسبة له. غير أن هذا العفو لا يعني تحصينه من السجن مستقبلًا إذا ارتكب جريمة جديدة أو صدرت بحقه أحكام في وقائع أخرى مستقلة.
كذلك يوجد خلاف بين الآراء القانونية بشأن إمكانية إلغاء العفو الرئاسي السابق:
* فهناك من يرى أنه يمكن إلغاؤه إذا ثبت وجود غش أو تدليس في الأوراق التي قُدمت للحصول عليه. وفي هذه الحالة يثور تساؤل منطقي: كيف لم تنتبه الجهات المختصة إلى هذا الغش أو التدليس عند فحص الأوراق قبل رفعها إلى الرئاسة؟ وإذا ثبت ذلك، ألا يقتضي الأمر مساءلة المسؤولين عن التقصير أو الإهمال في التحقق من تلك المستندات؟
* وهناك من يرى أن العفو لا يمكن إلغاؤه بعد صدوره ونفاذه.
* بينما يرى فريق ثالث أن الأمر يتوقف على الظروف والاعتبارات القانونية الخاصة بكل حالة.
وذلك وفقًا لما ورد في مجلة روز اليوسف بتاريخ ٢٠٢٦/٦/٥ .
في تقديري، لم يكن صبري نخنوخ إلا ضحية ظروف معينة، فقد كان أداة احتاجتها السلطة في مرحلة ما، سواء في عهد مبارك أو في عهد السيسي. وعندما انتهت الحاجة إلى الدور الذي كان يؤديه، أو عندما وجدت السلطة من يمكنه القيام بالدور نفسه، أصبح من الممكن الاستغناء عنه.
لكن هنا يبرز سؤال مهم:
إذا كانت السلطة قد استغنت في السابق عن كثير من الأدوات والأشخاص الذين استخدمتهم ثم أبعدتهم بهدوء عندما انتهى دورهم، فلماذا لا يحدث الأمر نفسه مع صبري نخنوخ؟ وما الذي يجعل التعامل معه مختلف ؟





