(د. أشرف ناجح إبراهيم عبد الملاك)
ما إن حلّت الذكرى العشرون لنياحة الأب متّى المسكين (8 يونيو/حزيران 2006)، الراهب القبطيّ-الأُرثوذكسيّ المعروف، حتّى احتدمتْ –كما هو معتادٌ ومتوقّع– المجادلاتُ العقيمة والعبثيّة والممسوخة والغريبة والعجيبة حوله. وقد تفاقمت الأمورُ إلى حدِّ أنّ بعضهم راح يردّد كالببّغاوَات أنّ المتنيّح الأب متّى "مسكونٌ"، و"هرطوقيّ"، و"محروم"، و"متكبّر"، و"في حضن يهوذا وآريوس"، وإلى آخره من الأوصاف الخالية من فضائل المحبّة والإيمان والرجاء، والممتلئة بالأحقاد والأغلال والضغائن، والبعيدة عن النقاش الموضوعيّ الرصين والمفيد. فهَل يا تُرى نحن قد صرنا في زمن العبث والمسخ؟

إنّني، بوصفي كاثوليكيًّا، أندهش على نحو سلبيّ، على سبيل المضحكات المبكيات في زمنٍ كزماننا، من بضعةِ مفارقاتٍ شكليّة غريبة وعجيبة. 

1. يوجد مَن يرفض شخصَ الأب متّى المسكين وفكره، حتّى لا أقول "حياته" برمّتها؛ وينقصه أن يسائل الله تعالى ويحاسبه، لأنّه أوجد مخلوقاتٍ لها قلوبٌ وألباب وعقول مِثْل الأب متّى! ولَيت الله بحكمته اللامتناهيّة ينعم علينا بأُناس أتقياء روحيًّا ومثقّفين علميًّا على غراره! 

2. يوجد مَن لم يجاهد بَعْدُ في حياته عامًا واحدًا، وتجده بزعمٍ فاق الأوصاف يتطاول على مَن قضى في الجهاد الروحيّ والتقشُّف والنُّسك والعزلة والعطش والجوع والرفض، أعوامًا هذا عددها، مفعمة بخبرةٍ باهرة مع الله والبشر والحجر. وربّما هذه المدّة من الزمن (ما يتجاوز نصفَ قرنٍ) أكثر من عمره البيولوجيّ. ففي الواقع، إنّ الأنبياء الذين بلا كرامةٍ في حارتنا، هم خُبراءٌ وعلماء في المسكونة بأسرها!

3. حينما نعاين التفافًا روحيًّا ولاهوتيًّا حول الأب متّى المسكين، من قِبَل عائلاتٍ مسيحيّة متنوّعة، داخل مِصْرَ وخارجها، لا لأنّ الجميع متّفقٌ تمام الاتفاق مع ما اعتقده وأنتجه هذا الباحثُ والمفكّر، بل من جرّاء محاولته الجادّة والمنهجيّة للنهوض بالحياة الروحيّة والطريق الرهبانيّ والدراسات الكتابيّة والآبائيّة واللاهوتيّة في عصرنا، وكذلك لأنّه نموذجٌ يُحتَذى به في الحياة الروحيّة والنُّسكيّة المقترنة بخصوبة الفكر وحرّيّته واتّساعه. يُلاحَظ –مع الأسف– أنّ البعض الآخر ممَّن لا يقرؤون، ويكتفون بالمرويّات السمعيّة فقط، يتجرّؤون على الحديث عن هرطقاتٍ في فكر الأب متّى المسكين؛ بينما عدم تفكيرهم هو هرطقةٌ في حدّ ذاتها! 

4. يوجد مَن يدّعي أنّ الأب متّى المسكين قد وَقَعَ في هرطقاتٍ كتابيّة وآبائيّة وعقائديّة؛ وبعضهم يتحدّثون بنوعٍ من التعالي والنبرة الفوقيّة، وهُم غيرُ مُلِمّين بالحيثيّات الأكاديميّة المعاصرة المتعلّقة بهذه المجالات كلّها، وقابعون في عصورٍ مظلمة قد أَكَلَ عليها الزمنُ وشَرَب! وما يُحزن حقًّا أنّهم لا يميّزون بَعْدُ بين المسائل الإيمانيّة والعقائديّة واللاهوتيّة! فربّما هذا نابعٌ من عقولٍ وقلوب لا تعرف لغةَ الحوار المسكونيّ، ولا اللاهوتيّ، ولا حتّى الإنسانيّ. فهؤلاء قد اعتادوا على رفضِ الآخرين ومعاداتهم، حتّى يتجرَّعوا كأسَ الشعور الفوقيّ الزائف بأنّهم أفضل حالًا من الآخرين!

5. يوجد مَن يحسب الأبَ متّى المسكين محرومًا كنسيًّا ومُدانًا أبديًّا، ولا أدرى كيف؟ فهَل يوجد سينودسٌ تابع للكنيسة القبطيّة الأُرثوذكسيّة، وهي من المفترض كنيسةٌ "سينودسيّة"، قد أدان صراحةً فكرَ الأب متّى؟ ومَن أعطى لهم الحقَّ في هرطقة وتكفير الآخر، لمجرّد عدم اتفاقه معه؟ وكيف يعرفون على وجه اليقين بمعرفةٍ إلهيّة مؤكّدة أين هُما يهوذا وآريوس الآن، وأنّ الأب متّى في حضنهما؟ إنّ قضيّة مَن سوف يهلك، لهي أمرٌ متروك لله وحده، ومحكومٌ بالمحبّة والرحمة الإلهيّتَيْن!

6. يوجد مَن لا يفحص المسائل فحصًا موضوعيًّا، ولا يعرف من أيّ زاويةٍ يتحدّث، ما عدا الزاوية الطائفيّة، إذ إنّه لا يميّز تمييزًا دقيقًا بين جوانب أيّ موضوعٍ، سواء السياسيّة الكنسيّة، والكتابيّة الآبائيّة، والعقائديّة اللاهوتيّة. ونجده يخلط الحابل بالنابل؛ ومع ذلك، يصرّ خطأً ووهمًا أنّه معلّمُ هذا الجيل! 

7. أمّا الادّعاء بأنّ للأب متّى المسكين "هرطقاتٍ"، بشأن الكتاب المقدَّس ووَحْيه وعصمته، والدراسات الكتابيّة التاريخيّة النقديّة، وأقنمة المسيح وماهيّته، وموته النيابيّ والتكفيريّ والتعويضيّ ("مات عنّا")، وحقيقة الخطيئة الجديّة الأصليّة، وعلم لاهوت الأسرار، وغيرها من المحاور العقائديّة-اللاهوتيّة؛ فهذا يدلّ أوّل ما يدلّ على الجهل أو التجاهل فيما يتعلّق بحقيقةِ الكتاب المقدَّس وطبيعته، وعدم معرفة آراء آباء الكنيسة، والتعميم بشأن فكرهم، والخلل في المفهوم بماهيّة علم اللاهوت وأبعاده عندهم، وكذلك الانطلاق من الأحكام العامّة والمسبقة والنمطيّة! فلَيتنا نقرأ كُتب الأب متّى المتنوّعة بموضوعيّة مجرّدة، ونقدّر الجهدَ المبذول فيها. وإذا اعترضنا على شيءٍ ما في فكره، وهذا حقٌّ مكفول للجميع، لا يكون هذا على سبيل المرويّات السمعيّة (قالوا لي...)، ولا بسردِ آيةٍ كتابيّة منعزلة (مبدأ "خطورة الآية الواحدة" التي علّم به المتنيّح البابا الأنبا شنودة الثالث ذاته) أو قولٍ آبائيّ آحاديّ. ولَيت أحد "الجهابذة" يخبرنا بمرجعٍ واحد، على غرار كتاب "تعليم الكنيسة الكاثوليكيّة"، لنعرف على وجه التحديد مضمونَ ومنطوق الإيمان الذي يطلق عليه "أُرثوذكسيّ"؟، بدلًا من الجملة السائلة والفضفاضة: "حسب الكتاب المقدَّس وآباء الكنيسة والتقليد"!

8. بإيجازٍ، وبغضّ النظر عن "الإسهال" في صياغة العنوان الموجود في الصورة (لماذا اعتبرت الكنيسة كتابات متي المسكين مخالفة للتعليم الآبائي؟)، لنُفكّك حيثيّاته معًا: 

- لماذا؟: سؤالٌ مشروع متى وُجِدت النيّةُ الصادقة والعقليّة الموضوعيّة للدراسة العميقة والبحث الدؤوب! 
- اعتبرت: متى وأين قامتْ بهذا ما أطلقتَ عليها اعتباطيًّا "كنيسة"؟
- الكنيسة: وما المقصود بهذه اللفظة؟ هل يُقصَد بها سلطةَ وعصمة أشخاصٍ بعينها؟
- كتابات: إنّه لتعميمٌ واضح وفاضح؛ فهل قرأتَ كلَّ ما نُشِر في حياة الأب متّى وبعد مماته؟ 

- متّى المسكين: الاسمُ من دون ألقابٍ لهو إشارةٌ واضحة للتهكّم والاستهزاء، ورغبةٌ في محاولة نَسْفٍ جائر لتاريخ الرجل الروحيّ والفكريّ والإصلاحيّ. 

- مخالفة: هذه اللفظة صادرةٌ عن عقليّةٍ متحجّرة وجامدة ومُتحفيّة، ومصرّة على تحجيم المسيحيّة في مجرّد كونها "شريعةً"، وعلى أنّ الكتاب المقدَّس مجرّد تنزيلٌ إلهيّ، وأنّ بعض آباء الكنيسة معصومون من كلّ زلةٍ، بل إنّهم ليسوا ببشرٍ ورحّالة مثلنا. 

- للتعليم الآبائي: تعميمٌ آخر واضح وفاضح، وإغفالٌ صريح، حتّى لا أستخدم تعبيراتٍ أخرى، بشأن حقبة آباء الكنيسة، وتطوُّر فكرهم في القرون الأُولى من المسيحيّة. 

9. يوجد أمرٌ آخر، له مؤشراتٌ ودلائل ليست بقليلة: قد تستغرب أنّ بعضَ الكارهين والحانقين والحاقدين على الأب متّى المسكين، وعلى غيره، يقعون في أخطاءٍ لغويّة متعلّقة بالعربيّة، التى هي لغةٌ حيّة ولغتنا الحالية؛ ومع ذلك، ينتقدون الأب متّى الذي أجاد لغاتٍ حيّة وقديمة في آنٍ واحد. 

10. وأخيرًا، أتوجّه إلى المتنيّح الأب متّى المسكين قائلًا: 
أيّها الأب والراهب القبطيّ الأرثوذكسيّ، قد أجدكَ لا تستغرب لما حَدَثَ ويحدث في كنيستكَ القبطيّة-المصريّة، التي كُنتَ أمينًا لها حتّى النفس الأخير، فلا يزال التعصُّبُ المَقِيت الأعمى، و"الجهل المقدَّس"، والمرويّات السمعيّة، لها نصيبُ الأسد عند الكثيرين! ولكن، لكَ أن تتأكّد أنّ أزمنة الاستنارة والتنوير قادمةٌ لا محال؛ وأنّ "حبّة الحنطة" التي زرعتَها، لا في دير الأنبا مقار العامر في البريّة فحسب، بل في بلدنا الحبيب مِصْرَ برمّته، ستضحى يومًا ما شجرةً يانعة مثمرة!