القمص يوحنا نصيف

بمناسبة التذكار العشرين لنياحة القمّص متّى المسكين:

    + بنعمة المسيح سأركّز في هذا المقال -وأعتذر مُقدَّمًا لطولِهِ- على علاقة التلمذة بين القدّيس القمّص بيشوي كامل والقمّص متّى المسكين.. متى بدأت؟ وما هو مداها، والمراحل التي مرّت بها؟!

    + في البداية، أودّ أن أوضِّح أنّ من المميّزات الجميلة في شخصيّة أبينا القدّيس القمّص بيشوي كامل، أنّه كان يحمل روح التلمذة، ويتعلّم من الجميع بروح اتضاع جميلة.. لقد كان مثل النحلة النشيطة التي تجمع الرحيق الحلو من جميع الزهور! أمّا عن تلمذته للقمّص متّى المسكين، فسأكتب فقط بعض ما أعرفه، وبالتأكيد هناك الكثير أيضًا الذي لا أعرفه..

    + القمّص متّى المسكين من مواليد سبتمبر 1919م، والقمّص بيشوي كامل من مواليد ديسمبر 1931م، أيّ أنّه أصغر من أبينا متّى بحوالي 12 سنة. بدأت العلاقة بينهما في أوائل الخمسينيّات من القرن العشرين، مع صدور كتاب "حياة الصلاة الأرثوذكسيّة".

    + من المعروف أنّ القمّص متّى المسكين ترهّب في دير الأنبا صموئيل في أغسطس 1948م، تحت إرشاد القمّص مينا المتوحّد (لاحِقًا القدّيس البابا كيرلّس السادس) رئيس الدير في ذلك الوقت، ولم يكُن أبونا متّى معروفًا إلّا بعد انتقاله لدير السيّدة العذراء (الشهير بالسُّريان) في أوائل عام 1951م بسعي وترتيب من القمّص مينا المتوحِّد أيضًا. وفي دير السريان ظهرت مواهب أبينا متّى في محبّة القراءة والتعليم والتدبير والتنظيم، فاهتمّ بتنظيم وفهرسة مكتبة الكتب والمخطوطات بدير السريان، وزوّدها بمراجع آبائيّة باللغة الإنجليزيّة، ثمّ نشَر كتابه الأوّل والشهير "حياة الصلاة الأرثوذكسيّة" الذي حمل الكثير من خبراته الشخصيّة في حياة الصلاة منذ رهبنته، مع ترجمات لبعض أقوال الآباء، بالإضافة إلى فيض من أقوال القدّيس مار إسحق السرياني، فكان هذا الكتاب بمثابة كنزٍ للمكتبة القبطيّة. وجدير بالذِّكر أنّ الطبعة الأولى من هذا الكتاب لم تحمل اسم مؤلّفه، بل فقط اسم الدير.

    + بدأ الشباب من خُدّام مدارس الأحد يتهافتون على اقتناء هذا الكتاب الثمين، وبعد أن عرفوا أن مؤلّف الكتاب هو القمّص متّى المسكين أحبّوه ورغب الكثيرون منهم في التتلمذ على يديه. وبالفعل أثمر ذلك أن تضاعف عدد رهبان دير السريان في الفترة بين 1951 و1956م، وكان معظمهم من حاملي الشهادات الجامعيّة.

    + في أثناء ذلك الوقت قضى القمّص متّى المسكين فترةً كوكيل للبطريركيّة في الإسكندرية، بتكليف من قداسة البابا يوساب الثاني، بالتحديد في المُدّة من مارس عام 1954 حتى مايو 1955م، مُجَرّد حوالي 14 شهرًا ولكنّم كانوا مملوئين بالعمل الروحي والرعوي والإداري المُثمر جدًّا الذي ربّما يحتاج لحديث خاصّ عن تفاصيله الكثيرة، بعد ذلك عاد أبونا متّى إلى مغارته بدير السريان.. كان من ثمار تلك الفترة في الخدمة بالإسكندريّة أن نشأت علاقة روحيّة عميقة بين أبينا بيشوي (الخادم سامي كامل) وأبينا متّى المسكين، وتوطّدت جدًّا على مَرّ الأيّام..

    + في تلك الأيّام أراد سامي كامل أن يترهّب تحت قيادة أبينا متّى، ولكنّ ظروف مرض والده جعلته يؤجِّل هذا القرار.

    + عندما عاد أبونا متّى مع مجموعة من الرهبان من دير السريان إلى دير الأنبا صموئيل (ديره الأصلي التي تَرَهَّب فيه) عام 1956م، كان أبونا بيشوي يتابع الموقف، ويذهب كثيرًا للخلوة هناك بدير أنبا صموئيل على الرغم عن بُعد المسافة وصعوبة المواصلات من الإسكندريّة.. وأحيانًا يأخُذ معه بعض الخُدّام الآخرين، مثل الأستاذ فايز يعقوب (القمّص تادرس يعقوب لاحقًا).. ويحكي لنا أبونا تادرس أنّهم كانوا يستمتعون بكلمات روحيّة هناك، وكأنّهم في السماء!
    + في الفترة من 1956 إلى 1960، كان أبونا متّى يتحرّك أحيانًا خارج دير الأنبا صموئيل، لمتابعة عِدّة أمور.. وفي ذلك الوقت أشرف على التأسيس الروحي لبيت التكريس بحلوان، في أواخِر عام 1958 وبداية 1959م. كما كان يهتمّ بتوفير بعض المؤونة للدير.

    + أثناء تلك الفترة أيضًا، وفي عام 1958م، أخذ أبونا متّى فترة خلوة طويلة في مكان بسيط في صحراء العامريّة بالقرب من الإسكندريّة، وكتب في تلك الخلوة كتابه الجميل "الكنيسة الخالدة"، بينما كان سامي كامل يتردّد عليه ليخدمه، ويوفّر له ما يحتاجه من أوراق وطعام وشراب.

    + عندما فاجأ القدّيس البابا كيرلّس السادس "سامي كامل" بدعوته للكهنوت في أواخر نوفمبر 1959، اضطرب سامي وسافر إلى دير أنبا صموئيل ليستشير القمّص متى المسكين في هذا الأمر، واستغرق السفر حوالي يوم كامل (حسبما كتب أبونا بيشوي في مذكّراته)، وهناك أشار عليه أبونا متّى برفض الأمر (بحسب ما حكى لي أبونا تادرس)، وبعد يومين من الصلاة بالدير عاد سامي إلى الإسكندريّة، ولم يكُن يعرف ماذا يفعل؟ ولكنّه في النهاية استسلم لترتيبات الله التي وجدها تقوده إلى الزواج ثمّ السيامة الكهنوتيّة، والتي تمّت في 2 ديسمبر 1959م.

    + في فترة الأربعين يومًا بعد السيامة، والتي قضاها أبونا بيشوي في دير السريان، كَتَبَ في مذكّراته أنّه سيحتاج لأب كاهن يعيش في العالم، ليكون أب اعتراف له في تلك المرحلة الجديدة من حياته.. ويُفكّر في التواصُل مع القمّص ميخائيل إبراهيم، الذي كان يسمع عنه بالقاهرة. وبالفعل بدأ بعد ذلك يذهب إليه، ليعترف وينال مِنه إرشادات روحيّة، ولكنّ صلته أيضًا لم تنقطع بالقمّص متّى المسكين.

    + قضى أبونا متّى فترة طويلة من أكتوبر عام 1960 إلى مايو 1969م مع تلاميذه الرهبان بصحراء وادي الريّان جنوب الفيّوم، وكان أبونا بيشوي يزوره هناك من آن لآخَر مع بعض الأحبّاء من الإسكندريّة، وأحيانًا عندما يَعلَم أنّه في القاهرة يذهب أيضًا ليلتقي به. 

    + بعد عودة القمّص متى المسكين من منطقة وادي الريّان إلى دير القديس مكاريوس الكبير بوادي النطرون، والقريب نسبيًّا من الإسكندريّة، وذلك في مايو عام 1969م.. بدأ أبونا بيشوي مرّة أخرى في التردّد على القمص متّى المسكين، بزيارات كثيرة.. وكان في مُعظم الأحيان يأخُذ معه بعض الخُدّام أو بعض الآباء الكهنة، وكانوا يجلسون جلسات روحيّة عميقة حول مائدة الإنجيل مع أبينا متّى، تستغرق ساعات طويلة في كلّ مرّة!

    + في تلك الفترة ذهب الكثير من الأبناء الروحيّين لأبينا بيشوي للرهبنة في دير أنبا مقار، تحت إرشاد أبينا متّى، لا يزال بعضهم موجودًا حتّى الآن، والبعض تنيّحوا.

    + كان أبونا بيشوي يقرأ بشغف كلّ كتابات القمّص متّى المسكين، سواء الكتب أو النبذات أو المقالات الافتتاحيّة لمجلّة مرقس التي كانت تصدُر من الدير، وكان يتأثّر بها جدًّا ويتحدّث عن أفكارها في عظاته للشعب.. كما كان أبونا بيشوي دائمًا يسعى للسلام داخل الكنيسة، ويحافظ على علاقات محبّة قويّة بينه وبين الجميع، لذلك كان محبوبًا جدًّا ومحلّ ثقة من الكلّ.

    + أختَتِم كلامي برسالة روحيّة عميقة أرسلها القمّص متّى المسكين لأبينا بيشوي في بداية مرضه، وقد أوردها المتنيّح طيّب الذكر القمص لوقا سيداروس، ضمن عِدّة رسائل، في كتابه "القمّص بيشوي كامل رجل الله - الجزء الثاني":
----

عزيزي بالربّ القمّص بيشوي
سلام ومحبّة ربّنا يسوع مع روحك..
الشُّكر والتسبيح والسجود والمجد الدائم للربّ، الذي صنع بك العظائم.
نفوسُنا وقلوبنا ظلّت معلّقة، لا ترتاح ولا تجد مستَقَرًّا في الأرض، حتّى أتت الأخبار من بعيد بما يُريحُنا.

لم اشأ أن أكتب، أو أتكلّم، أو أسأل إنسانًا عنك، سوى ربّي يسوع، طالبًا ردًّا عمليًّا يطمئنّي عن استجابة الحُبّ الإلهي، لدموع وصلوات المحبّة.
أمّا الألم فهو صكّ العبور، وتاج الظفر على هذا العالم.
ولكن لمسات القوّة في وسط الضعف، فهي إشارة مسرّة الملِك لأمين سرّه.

والصحّة والشفاء عند يأس الأطبّاء علامات تُنبئ بتبنّي السماء لمشاكل الجسد، لحساب الإيمان، ولتمجيد الشهادة.
وعندما تعزّ الشهادة بالكلمة، وتضعُف الآذان والقلوب عن قبول الخدمة بالصحّة والعقل والمنطِق، يعود الله ليستخدم ضعفات الإنسان، بل ضعفات الجسد للشهادة، وتثبيت الكلمة، وإعلاء شأن الخدمة المكتومة.

إنّ مرض الخادم الأمين، عندما يظلّ قلبه مرتفعًا بالإيمان والحُبّ، يتكلّم أفضل من قوّة ربوات من الأقوياء..
أمّا تَقَبُّل الألم الشديد بابتسامة الحُبّ الإلهي، فهي المعجزة القادرة أن ترفع إيمان أضعف الضعفاء، في هذا الشعب الأمين الوفي.
فهنيئًا لك آلامك. وهنيئًا لك حُبّك لإلهك. ومبارك هذا الشعب الذي أحبّ الله فيك.
كُن مُعافى باسم الثالوث الأقدس،،
القمّص متّى المسكين
----

    + أخيرًا، لننتبه دائمًا أنّ التلمذة هي روح الكنيسة التي تنتقل من جيل إلى جيل. طوبى لمن يعيش بقلب تلميذ يتعلّم وينمو في محبّة المسيح كلّ يوم. فكما يقول القدّيس يوحنّا الدَّرَجِي أنّ "الحكيم يتأمّل فضائل غيره ليقتنيها لنفسه، والجاهل يتأمّل رذائل غيره ويدينه عليها"، فالتلميذ الروحي الناجح هو الذي يتأمّل فضائل الآباء ليقتنيها لنفسه، فيأخذ نصيبه الوفير من عمل النعمة. وإذ يراقب عمل الله في النفوس الأمينة ينمو إيمانه، وتنفتح عيناه على قوّة الله التي تعمل في كلّ إنسانٍ يطلبه.

    + فلنلهج بالتسبيح لإلهنا محبّ البشر الصالح الذي –على الرغم من تكاثر الشرور حولنا- لا يترك نفسه بلا شاهد، بل يرتّب لنا في كلّ جيل نماذج مضيئة من الأبرار والقدّيسين، كي نتأمّل سيرتهم ونتمثّل بإيمانهم.

القمص يوحنا نصيف
8 يونيو 2026م