محرر الأقباط متحدون
توجه البابا لاون الرابع عشر صباح الاثنين إلى مقر البرلمان الإسباني حيث كان له لقاء مع المشرعين الذين وجه لهم كلمة تمحورت حول كرامة الإنسان لكونها الأساس الذي يجب أن تقوم عليه التشريعات والسياسات العامة، مع التركيز على حماية الحياة والأسرة والتعليم والعدالة الاجتماعية. كما تطرق البابا إلى قضايا الهجرة والسلام والتحديات الأخلاقية المرتبطة بالتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، داعياً إلى ترسيخ الحوار واحترام الحريات الأساسية والعمل من أجل الخير العام والتعايش السلمي بين الشعوب.
توقف الحبر الأعظم في مستهل خطابه عند أهمية الحوار بين المؤسسات الدينية والسياسية لخدمة الإنسان والصالح العام، مشدداً على أن الكنيسة لا تسعى إلى تقديم الحلول التي هي واجبُ المؤسسات المدنية، بل إلى الإسهام في تعزيز القيم الإنسانية والأخلاقية التي تجعل التعايش أكثر عدلاً وإنسانية. كما أشاد البابا بالدور الذي يلعبه البرلمان في تنظيم الحياة العامة وصياغة القوانين، معتبراً أن السؤال الأساسي الذي ينبغي أن يوجِّه العمل التشريعي هو: أي تصور للإنسان تقف وراءه القوانين؟ وأي نوع من المجتمع تسعى هذه القوانين إلى بنائه؟
وأشار الحبر الأعظم في هذا السياق إلى أن إسبانيا تمتلك إرثاً تاريخياً وثقافياً غنياً جمع بين الإيمان والعقل، وبين القانون والفكر، مستشهداً بأعمال كبار المفكرين والأدباء الإسبان، مثل ميغيل دي سيرفانتس والقديسة تيريزا الأفيليّة، الذين أكدوا في أعمالهم قيمة الحرية والكرامة الإنسانية والبحث عن الحقيقة.
وتوقف لاون الرابع عشر عند الإرث الفكري لمدرسة سالامانكا الفلسفية والقانونية في القرن السادس عشر، والتي ساهمت في ترسيخ مفاهيم حقوق الإنسان والعدالة والمسؤولية الأخلاقية للسلطة. وأوضح أن تلك المدرسة دافعت عن فكرة أن لكل إنسان كرامة أصيلة لا يجوز انتهاكُها، وأن السلطة السياسية يجب أن تخضع دائماً لمعايير العدالة والأخلاق.
هذا ثم انتقل البابا للحديث عن التحديات المعاصرة، وفي مقدمتها التطور التكنولوجي والذكاء الاصطناعي، مؤكداً أن التكنولوجيا ليست محايدة بالكامل، بل تعكس القيم التي يضعها البشر في تصميمها واستخدامها. لذلك دعا إلى ضمان أن يبقى الإنسان في مركز كل قرار يتعلق بالتكنولوجيا والاقتصاد والعمل والسياسات الاجتماعية.
وشدد الحبر الأعظم على أن أساس أي مجتمع عادل هو الاعترافُ بكرامة الإنسان غير القابلة للتصرف، وهي كرامة تسبق الدولة والقوانين ولا تعتمد على تبدل الآراء أو تغير موازين القوى السياسية. من هذا المنطلق، دعا البابا إلى حماية الحياة البشرية في جميع مراحلها، منذ بدايتها حتى نهايتها الطبيعية، مع إيلاء اهتمام خاص للفئات الأكثر ضعفاً، مثل الأطفال غير المولودين، والمسين، والمرضى، وذوي الاحتياجات الخاصة.
وأكد البابا أن الخير العام لا يتحقق بجمع المصالح الفردية فحسب، بل بتوفير الظروف التي تسمح لكل فرد وكل جماعة بتحقيق نموها الكامل. كما شدد على الدور المركزي للأسرة باعتبارها الخلية الأساسية للمجتمع، والمكان الأول الذي يتعلم فيه الإنسان قيم التعايش والمسؤولية والتضامن. أما على الصعيد التربوي فدعا لاون الرابع عشر إلى احترام حق الآباء في اختيار نوع التعليم الذي يتوافق مع قناعاتهم الأخلاقية والثقافية والدينية، مؤكداً أهمية المؤسسات التعليمية في تنمية التفكير النقدي وتعزيز القيم الإنسانية لدى الأجيال الجديدة.
لم تخل كلمة البابا من الحديث عن مسألة الهجرة، واصفاً إياها بأنها تحدٍّ أخلاقي وقانوني عالمي يتجاوز الاعتبارات الاقتصادية والديموغرافية. ودعا إلى اعتماد سياسات تضمن طرقاً آمنة وقانونية للهجرة، وتوفر الاستقبال الكريم وفرص الاندماج للمهاجرين، مع السعي، في الوقت نفسه، إلى معالجة الأسباب التي تدفع الناس إلى مغادرة أوطانهم، شأن الحروب والفقر وعدم الاستقرار والتغير المناخي. كما حذر البابا من تفاقم ظاهرة الاتجار بالبشر واستغلال المهاجرين، مطالباً بتعزيز التعاون الدولي من أجل إنقاذ الضحايا ومكافحة الشبكات الإجرامية التي تستغل معاناتهم وبؤسهم.
بعدها سلط البابا الضوء على قضية السلام في عالم يشهد أزمات متزايدة من العنف والاستقطاب وانعدام الثقة. وأكد أن السلام ليس مجرد هدف سياسي، بل ضرورة أخلاقية تتطلب احترام الآخر وتعزيز ثقافة الحوار والمصالحة. وأعرب عن قلقه من عودة سباق التسلح في عدد من مناطق العالم، بما في ذلك أوروبا، معتبراً أن الأمن الحقيقي لا يتحقق بتكديس الأسلحة، بل بالعدالة واحترام القانون الدولي والحوار الدبلوماسي.
كما دعا البابا إلى فرض ضوابط أخلاقية صارمة على استخدام الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة في المجالات العسكرية، بحيث تبقى القرارات المتعلقة بالحياة والموت مسؤولية بشرية. كما أكد الحبر الأعظم على أهمية حرية الفكر والضمير والدين باعتبارها من الحقوق الأساسية في المجتمعات الديمقراطية، مشدداً على ضرورة احترام البعد الديني للإنسان وعدم إقصائه من الحياة العامة.
وختم لاون الرابع عشر خطابه إلى المشرعين الإسبان داعياً إلى رفع مستوى النقاش العام، وتغليب لغة الاحترام والحوار على الانقسام والعداء، والعمل من أجل خدمة الإنسان قبل أي اعتبار آخر معرباً عن ثقته بأن إسبانيا قادرة على مواصلة دورها التاريخي كأرض للثقافة والتلاقي والتضامن وتمنى لها ولشعوب العالم أن تنعم بمزيد من العدالة والسلام والازدهار.




