د.ماجد عزت إسرائيل
عندما نتحدث عن الأب متى المسكين، لا ينبغي أن يكون الحديث محصورًا في دائرة الجدل والانقسام، ولا في تكرار الاتهامات أو اجتزاء العبارات من سياقها، بل يجب أن يُقرأ الرجل قراءة علمية هادئة، تقوم على الفحص، والتوثيق، والإنصاف. فالأمانة الفكرية تقتضي أن نميّز بين النقد العلمي المشروع، وبين الهجوم القائم على النقل الشفهي أو القص واللصق أو ترديد أحكام لم تُبنَ على دراسة جادة لمؤلفاته. لقد صار الأب متى المسكين موضوعًا لاهتمام أكاديمي واسع، داخل مصر وخارجها. ومن الشواهد المهمة على ذلك أن كلية اللاهوت بالجامعة الكاثوليكية الألمانية في آيشتيت إنجولشتات، وبالتحديد قسم تاريخ الكنيسة القديمة والباترولوجي، خصصت سيمنار الفصل الدراسي الصيفي من أبريل 2018م إلى يوليو 2018م لدراسة الفكر اللاهوتي عند الأب متى المسكين، وقام بتدريسه البروفيسور الدكتور أندرياس فيكفيرت.
وقد أشار البروفيسور أندرياس فيكفيرت إلى أن الأب متى المسكين هو من أعاد بناء دير الأنبا مقار في صحراء الإسقيط، وأنه من أهم الشخصيات المؤثرة في المسيحية القبطية في القرن العشرين. كما طرح سؤالًا مهمًا عن هذا الأب المستنير الذي اقتبس منه البابا فرنسيس، بابا الفاتيكان، في عظة عيد الميلاد عام 2016م. وهذا وحده يكشف أن فكر الأب متى لم يبقَ حبيس الجدل المحلي، بل دخل دائرة الاهتمام اللاهوتي العالمي.
كما تناولت دراسات أخرى فكره من زوايا متعددة، منها بحث بعنوان Unity of the Church: The Spiritual Vision of Father Matta el-Meskeen للقس الدكتور جوس سترنجهولت، كاهن الكنيسة الأسقفية بالمعادي، وهو بحث يركز على الرؤية الروحية لوحدة الكنيسة في فكر الأب متى المسكين، وعلى البعد المسكوني في كتاباته. ومن الشواهد الأكاديمية المهمة أيضًا دراسة الباحثة الألمانية كاترين كوهلر من جامعة لايبزيج الألمانية، التي اهتمت في أبحاثها بالعلاقات الإسلامية المسيحية وبالعالم العربي والإسلامي. وقد ركزت دراستها على تاريخ حياة الراهب القبطي متى المسكين، وقرأت عددًا من كتبه، ولا سيما كتاب «الكنيسة والدولة»، باعتباره نصًا مهمًا في فهم رؤيته لعلاقة الكنيسة بالدولة، ولرسالة الكنيسة الروحية بعيدًا عن التوظيف السياسي.
وقد أبرزت الباحثة الألمانية في قراءتها أن الأب متى المسكين كان يرى أن إصلاح الكنيسة يتم من داخل الكنيسة نفسها، كما توقفت عند دوره في حركة مدارس الأحد، ثم عند دخوله الرهبنة، وانتقاله بين الأديرة، وصولًا إلى تكليف البابا كيرلس السادس البطريرك الـ 116 له عام 1969م بالتوجه إلى دير القديس أنبا مقار بوادي النطرون. كما أشارت إلى عملية إعادة تعمير الدير، وإلى إنشاء المكتبة التي امتلأت بكتب تاريخ الكنيسة وكتابات الآباء.
ومن بين الدراسات المهمة كذلك البحث الأكاديمي Letters from the Desert: Between Ancient and Modern للأب جورج نخيل Fr. George Nakhil، الحاصل على درجة الماجستير في الدراسات القبطية من جامعة ماكواري بسيدني في أستراليا. وقد تناول البحث مقارنة بين رسائل آباء البرية قديمًا ورسائل الأب متى المسكين في العصر الحديث، من حيث البناء والأسلوب، واستخدام النصوص الكتابية، والعلاقة بين الأب الروحي وتلاميذه، ودور الروح القدس في الحياة الرهبانية، والحرب الروحية.
كما قُدمت دراسة أكاديمية باللغة الإيطالية بعنوان LA DIVINIZAZIONE DELLUOMO SECONDO IL PADRE MATTA EL-MESKIN، أي «الثيئوسيس أو تأليه الإنسان في كتابات الأب متى المسكين»، للأب أغسطينوس موريس جورجي، كاهن كنيسة السيدة العذراء للأقباط الكاثوليك بالقللي في شبرا، وقد أُنجزت في روما عام 2003م، وتقع في أكثر من 300 صفحة، وتناولت استيعاب الأب متى المسكين للتراث الآبائي واختباره له في حياته الروحية واللاهوتية.
ولم يقتصر الاهتمام الأكاديمي على الخارج، بل امتد إلى الجامعات المصرية أيضًا. فقد قدمت الدكتورة نادية عبد الغني البرماوي، المدرس بقسم الفلسفة بكلية الآداب جامعة المنوفية، بحثًا بعنوان «النفس والجسد في فكر الأب متى المسكين»، ونُشر في مجلة بحوث كلية الآداب بجامعة المنوفية عام 2007م. وقد وصفت الباحثة الأب متى المسكين بأنه من أشهر مفكري الفكر المسيحي المعاصر، ومن أعظم أساتذة الحياة الروحية في القرن العشرين.
وهذه الشواهد وغيرها تؤكد أن الأب متى المسكين لم يكن مجرد شخصية محل خلاف عابر، بل شخصية رهبانية وفكرية ولاهوتية فرضت نفسها على الدرس الأكاديمي.ومن هنا يصبح من غير المقبول أن يُختزل تراثه في عبارات مبتورة أو اتهامات متكررة لا تستند إلى دراسة شاملة. إن النقد العلمي لفكر الأب متى المسكين حق مشروع، بل هو ضرورة إذا تم بأدوات البحث الأكاديمي، وبالرجوع إلى النصوص الأصلية، ومقارنتها بالتراث الآبائي واللاهوتي. أما الهجوم القائم على الاقتطاع أو التكرار أو النقل دون فحص، فهو لا يخدم الكنيسة ولا العلم ولا الحقيقة.
ولهذا، فإن الوقت قد حان لقراءة الأب متى المسكين قراءة أمينة، تفرّق بين مواضع الاتفاق ومواضع التحفظ، وتضع كل نص في سياقه التاريخي واللاهوتي والروحي. كما أن تشكيل لجنة علمية كنسية متخصصة لفحص مؤلفاته فحصًا كاملًا وهادئًا قد يكون خطوة ضرورية لإنهاء حالة البلبلة، ووقف تداول الأحكام غير الدقيقة، وإصدار رؤية متزنة تحفظ سلام الكنيسة وتكرم الأمانة العلمية.
فالإنصاف هنا لا يعني إلغاء النقد،ولا تحويل الأب متى المسكين إلى شخصية فوق المراجعة، بل يعني التعامل مع تراثه بما يليق بقيمته وحضوره وتأثيره. فالرجل الذي دُرس في جامعات، وكتبت عنه رسائل وأبحاث، واستمر تداول مؤلفاته بعد رحيله، لا يجوز أن يُحاكم بمنطق الشائعات أو العبارات المقتطعة، بل بمنهج البحث العلمي الجاد، والعمل الأمين، والضمير الكنسي المسؤول.





