بقلم الأب يسطس الأورشليمى
نحنُ لا نجزأ الخلاص بين ماضي وحاضر ومستقبل، لكننا إذ نتقبل عمل الرُوح القدُس الناري الذي يعمل عبر الأجيال ولا نجمده، إنما نرى أنفسنا وقد ارتفعنا فوق حدود الزمن، فالماضي كما الحاضر والمستقبل،
 
إنما يُمثل حياة فعّالة في الكنيسة، الماضي مُفرح بعمل الله المُستمر في كنيسته، وممتد في الحاضر، والمستقبل مُبهج للنفس من أجل رجائها في الله، ليس هو ببعيد عنها، أو مغلق كئيب مجهول..
 
هكذا طريق الخلاص، تحيا الكنيسة بماضٍ ليس ميتاً، وحاضر قوي، ومستقبل مكشوف، إن تجاهلنا الماضي إنما نبتر الكنيسة عن أصالتها في الرُوح، وإن تجاهلنا الحاضر المُعاصر إنما نحكم على الكنيسة بالجمود، وإن غفلنا المستقبل سقطنا في اليأس..
 
إن كان التجديد لا يعني الانحلال بتجاهله للماضي، بل النمو المُستمر مستنداً على الماضي بروح الله الحيّ، فإنه يليق بنا ألا نقبل التجديد بروح التطرف، كما يلزم أن ينمو الإنسان في كُل نواحي حياته: جسدياً وفكرياً ونفسانياً وروحياً واجتماعياً، فيصير ناجحاً وحياً كإنسان مُتكامل، هكذا يليق بالأكثر النمو في الحياة الكنسية، فيلزم أن يتحقق على الدوام في كُل جوانبها معاً بطريقة مُتكاملة دون تطرف..
 
أن النمو الكنسي في حياة الجماعة كما في حياة كُل عضو فيها يلزم أن يكون متكاملاً، ننمو في دراسة الكتاب، والتعرف على أسراره دون تجاهل للتقليد، ونحيا بالروح الجماعية دون إنكار للحياة السرية، نُمارس الحياة النسكية دون أن نزدري بحياتنا في المجتمع، نُمارس التوبة بدموع مع ارتوائنا بالفرح، نحب التعليم كما العبادة، نقبل تجديد طبيعتنا في المعمودية دون تكاسل مع التمتع بتجديد الذهن بالرُوح القدُس..
 
لا يقف عمل الله في حياتنا عند المعمودية والميرون، إنما هما بدء انطلاق حياتنا الجديدة التي صارت لنا في المسيح يسُوع بالرُوح القدُس، عمل الكنيسة هو الكشف عن الإمكانيات الإلهية التي وُهبت للمُؤمنين المُعمدين، فتدفع بأولادها بين يدي الرُوح القدُس الناري الذي يجُدد أذهانهم بغير انقطاع، وكما يقول: لا تُشاكلوا هذا الدهر، بل تغيّروا عن شكلكُم بتجديد أذهانكُم لتختبروا ما هي إرادة الله الصالحة المرضية الكاملة، وإن كان إنساننا الخارج يفنى، فالداخل يتجدد يوماً فيوماً، إذ خلعتُم الإنسان العتيق مع أعماله ولبستُم الجديد الذي يتجدد للمعرفة حسب صورة خالقه..
 
راجع (رو2:12؛ 2كو16:4؛ كو9:3-11)..
 
خلعنا الإنسان القديم بأعماله ونولنا الإنسان الجديد حيثُ بدء انطلاقة للتجديد والمعرفة والنمو بغير انقطاع علامة الحياة الجديدة، كما يقول الكتاب: وأما منتظرو الرّب فيجدّدون قوة، يُرفعون أجنحةً كالنسور، يركضون ولا يتعبون، يمشون ولا يعيون (إش31:40؛ مز103)..
 
الذي يُشبع بالخير عمرك، فيتجدد مثل النسر شبابك..
 
لأن مراحمه لا تزول، هي جديدة في كُل صباح..
 
هذه هي إحساسات المسيحي، حيثُ يرى مراحم الله جديدة بالنسبة له كُل صباح، فيشتهي أن يرد الحب بالحب، وكأنه في كُل يوم يبدأ لقاءً جديداً مع الله، هذا هو عمل الروح القدس في حياة المُؤمنين، يجعلنا نشعر في كُل لحظة كأنها بداية الحياة مع الله، كالأم في حبها لرضيعها الوحيد فتتطلع إلى وجهه دائماً كما لو كانت تراه لأول مرة..
 
في حديث المسيح الوداعي مع تلاميذه قبل آلامه يقول:
 
وصيةً جديدةً أنا أعُطيكُم: أن تُحبوا بعضكُم بعضاً كما أحببتكُم أنا تُحبون أنتم أيضاً بعضُكُم بعضاً، بهذا يعرف الجميع أنكم تلاميذي: إن كان لكم حبٌ بعضاً لبعضٍ، راجع الكتاب (يو34:13)..
 
وصية الحب في الواقع قديمة (1يو7:2)، لكنها أيضاً جديدة ومُتجدّدة فينا هي قديمة كوصية قدمها الناموس الطبيعي وأعلنتها الشريعة، لكن المسيح قدمها جديدة وأعطاها سمة الجدّة، فقد قدم نفسه إلينا لندخل به إلى الحب الإلهي، فصرنا نحمل طبيعة الحب التي لا تشيخ، لم تعد فقط مراحم الله جديدة كُل صباح بل صارت حياتنا نحنُ أيضاً في المسيح يسُوع بالروح القدس تستطعم وتتذوق الوصايا جديدة، والرُوح القدُس الذي فينا يُنمي مواهبه في داخلنا فتصير جديدة على الدوام.. 
 
في حادثة التجلّي، ذكرت كلمة: تجلٍ، بمعنى انتقال من الشكل البشري المنظور، إلى الشكل النوراني، هذا التجلّي لا يعني أن المسيح نال شيئاً جديداً إنما الابن الوحيد هو دائماً في نُور لا يدنى منه، وجاء إخلاؤه كعملية إخفاء لنوره غير المدرك عن أعيننا، وجاء التجلّي انفتاحاً لأعين التلاميذ ليروا قبساً من النور الإلهي قدر ما يستطيعون، والكنيسة كجسد المسيح الممجد تجديدها إنما يعني تجلّي المسيح الساكن فيها..
 
خلال هذا التجلّي تنمو الكنيسة الجامعة كما ينمو الأعضاء، إذ ينطلق المُؤمنون من انحصارهم في الزمن إلى الدخول في الحياة الأبدية، ليعيشوا بفكرٍ سماويٍ دون تجاهل للواقع البشري الزمني.. 
 
الزمن بالنسبة للكنيسة ولكُل مُؤمن فيها، إنما يتحرك بنا نحو الحياة الأبدية ولا معنى للزمن خارج الأبدية، بهذا ترتكز الكنيسة على مجيء المسيح الأول بتجسده، وتنعم بتجليه من يومٍ إلى يومٍ منتظرة مجيئه الأخير، بهذا نفهم:  ملكوت الله داخلكم، ونرى الروح والعروس يقولان: تعال، آمين تعال أيها الرّب يسُوع (لو21:17؛ رؤ17:22)..
 
بهذا يكون تجديد الكنيسة ليس قبولاً لنظمٍ أو تدابيرٍ جديدةٍ، إنما في جوهره هو تجلٍ مُستمر للمسيح في حياتها لكي يظهر فيها ببهائه الأبدي، مُعلناً طبيعته في حياتها، يظهر هذا التجلّي خلال تعميق علاقة المُؤمنين بالمسيح واختفائهُم فيه، فيشهدون له في الداخل والخارج، مُجتذبين أعضاء جدد للتمتع بخلاص المسيح، وكأن مسيرة الكنيسة هي مسيرة العالم كُله بالرُوح القدُس لتحقيق مقاصد الله لخلاص البشرية..
 
هكذا تقف الكنيسة النامية خادمة للعالم وليس منافس له، إنما بالحب تحتضنه وتغسل قدميه، إنها تعمد حضارته وفنونه، فلا تحتقر خبرته بل تباركه وتسنده فيتناغم العمل الحضاري مع الكنسي..