عزت بولس
مش ممكن أنسى يوم 9 يونيو 1967، ده كان يوم أسود مر في حياتي، يوم غيّر كل حاجة جوايا، وحوّل مشاعر جيل بحاله من قمة الفخر لأصعب صدمة وخذلان.
وقتها كنت لسه شاب صغير على وشك دخول الجامعة، مبسوط بنفسي ومهزوز جداً بشخصية الزعيم جمال عبد الناصر الكاريزمية والجاذبة. الراجل ده فعلاً نجح إنه يخليني فخور جداً بمصريتي، وبأن عندنا رئيس قوي وشخصية فذة زيه. كنت بتابع المعارك اللي دايرة بيننا وبين إسرائيل بسذاجة شديدة وتفكير طفولي، ومقتنع إن النصر مسألة أيام قليلة وهنكون كلنا في تل أبيب! لدرجة إني من كتر الحب الأعمى،
اعتبرت أقاربي وأصحابي الكبار "خونة" لما كانوا بيسمعوا إذاعة لندن في الخفاء ويقولوا لي إن إسرائيل هزمتنا ووصلت لقناة السويس. كنت بقول لنفسي: إزاي يقولوا حاجة زي دي؟ دول أكيد خونه!
لكن الصدمة الحقيقية نزلت فوق دماغي يوم 9 يونيو لما سمعت خطاب التنحي في التلفزيون، والزعيم طالع يعترف بالهزيمة اللي "دلعوها" وسموها "نكسة". في أول وهلة مكنتش مصدق اللي شايفه، لكن بما إني من النوع اللي بيهضم الصدمات بسرعة، عرفت الحقيقة المرة: اليهود والجيش الإسرائيلي بقوا على الضفة الثانية من القناة.
خرجت من البيت للشارع وعيوني مليانة دموع من الحزن، ومش قادر أتحمل فكرة إن جنود إسرائيل بيستحموا في قناة السويس. القناة دي كانت بالنسبة لي حاجة كبيرة قوي، لأني قضيت سنوات من طفولتي في بورسعيد اللي لسه بعشقها لحد النهارده.
من ساعتها، كل الحب ده تحول لغضب كبير وجارف، وشاركت في مظاهرات الطلبة لما دخلت جامعة عين شمس سنة 68 ضد الزعيم. والنهارده، ورغم إني عارف إن الراجل كان ليه حسناته، بس أنا شايف إنه هو المسؤول الأول والأخير عن الوضع اللي وصلنا ليه، ووضع المنطقة كلها لحد دلوقتي.
إحنا لسه بنعاني لحد النهارده من عنجهية عبد الناصر، ومن تدهور أحوالنا بسبب نظام القطاع العام، ومن طبقة العمال اللي اتعلمت تاخد مرتبات من غير عمل أو إنتاج حقيقي. الخلاصة، أنا مش قادر أحب الراجل ده أو أفتكر له حسنات، والتجربة دي سابت جوايا أثر مش بيتمحي؛ من يومها لما بشوف أي شخصية كاريزمية، بحس بنفور وخوف منها فوراً.





