(Magnifica Humanitas)
(6) التأطيرُ الأساسيّ والمعياريّ (2) 
(د. أشرف ناجح إبراهيم عبد الملاك)
في هذه الحلقة، نستكمل "التأطيرَ الأساسيّ والمعياريّ" للرسالة العامّة الأُولى للبابا لاوُن الرابع عشر «الإنسانيّة الرائعة« (Magnifica Humanitas)؛ ونتعرّض إلى "مبادئ" تعليم الكنيسة الاجتماعيّ. فما هي، إذًا، هذه المبادئ وَفقًا لهذه الوثيقة الحَبريّة؟
 
2. مبادئُ تعليم الكنيسة الاجتماعيّ
يتعلّق الأمر بـ"مبادئٍ خمسة" متكاملة: الخير العام؛ والغاية الشاملة المشتركة لخيرات الأرض؛ والتكافل أو المعاونة أو التكامل في اتّخاذ القرار؛ والتضامن؛ والعدالة الاجتماعيّة.
 
 مبدأُ الخير العامّ
إنّ "الخير العامّ" لهو "المبدأ الكبير الأوّل للتّعليم الاجتماعيّ". و«يمكننا أن نصفه بأنّه الصّورة الاجتماعيّة للكرامة المعترف بها للجميع» ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 59). ويتحقّق هذا "الخير العام" المشترك، وَفقًا للمجمع الفاتيكانيّ الثاني عبر «مجموعة ظروف حياة اجتماعيّة تجعل من الممكن للتجمّعات ولكلّ واحد من أعضائها تحقيق الكمال الشّخصيّ بأكبر قدر ممكن وبأسهل الطّرق» (دستور رعويّ "فرح ورجاء"، بند 26).
 
ومن ثمّ، فـ«الخير العام هو قيمة مضافة، ونتيجة التّفاعل والتّأثير المتبادل الذي يربط بين مختلف الأعمال والمبادرات والجهود والقرارات. لو اقتصرنا على جمع الخيرات الفرديّة فقط، لما كان بالإمكان تفسير وجود هذه القيمة المضافة التي تتجاوز الجميع، وفي الوقت نفسه تُغني الجميع» ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 61).
 
مبدأُ "الغاية الشاملة المشتركة لخيرات الأرض"
بكلماتٍ موجزة، ومن دون إلغاءٍ أو إنكار لحقّ "الملكيّة الخاصّة"، «"من بين الأوجه المتعدّدة للخير العام، يظهر فورًا مبدأ الغاية الشّاملة لخيرات الأرض".
 
هذا المبدأ يذكّرنا أوّلًا وقبل كلّ شيء بأنّ خيرات الأرض، التّربة والمياه والهواء والموارد الطّبيعيّة، هي عطيّة من الله لكلّ العائلة البشريّة لكي تسند حياة الجميع، اليوم وفي الأجيال القادمة، وكلّ إنسان له حقّ أصيل في استخدام هذه الخيرات [...] اليوم نحن مدعوّون إلى أن نعترف بأنّ الغاية الشّاملة هذه لا تقتصر فقط على الخيرات المادّيّة، بل تشمل أيضًا الخيرات غير المادّيّة والثّقافيّة» ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 65). ومن ثمّ، «يوجد حقّ في الملكيّة الخاصّة له معناه ووظيفته الخاصّة، لكن يبقى هذا المبدأ دائمًا خاضعًا لمبدأ الغاية الشّاملة لخيرات الأرض» ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 66). 
 
وفي عصر التكنولوجيا والثورة الرقميّة، بما في ذلك الذكاء الاصطناعيّ، يمكن التأكيد، مع قداسة البابا، ما يلي: «اليوم، بين الخيرات المخصّصة للجميع عالميًّا، يجب علينا أن نُدرج أيضًا الأشكال الجديدة للملكيّة الخاصّة: براءات الاختراع، والخوارزميّات، والمنصّات الرّقميّة، والبُنى التّحتيّة التّكنولوجيّة، والبَيانات» ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 67).
 
 مبدأُ "التكافل" أو "المعاونة" أو "التكامل في اتّخاذ القرار"
انطلاقًا من "الكرامة الأنطولوجيّة" الخاصّة بكلّ إنسانٍ، وكذلك مبدأ "الخير العامّ"، ينشأ ما يُطلَق عليه مبدأ "التفويض" أو "التكافل" أو "المعاونة" أو "اللامركزيّة والتكامل في اتّخاذ القرار". إنّ «تعليم الكنيسة الاجتماعيّ يسمّي "اللامركزيّة والتّكامل في اتّخاذ القرار" بالمبدأ الذي بموجبه يجب ألّا تستحوذ الجهات العليا على ما يمكن أن يقوم به الأشخاص، والعائلات، والمجتمعات المحلّيّة، والهيئات الوسيطة. يجب على المؤسّسات العليا أن تعترف بحرّيّة وإبداع المستويات الدّنيا وتحميها وتعزّزها، وتنسّق مساهماتها حتّى تتعاون بفعّاليّة من أجل الخير العام» ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 68).
 
في الواقع، «هذا المبدأ يشجّع على تجاوز كلّ شكل من أشكال الإدارة الأبويّة أو رعاية الحياة الاجتماعيّة، بتعزيز أسلوب المسؤوليّة المشتركة» ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 70). ومن ثمّ، فإنّ «مبدأ اللامركزيّة والتّكامل في اتّخاذ القرار ينطبق بشكل خاصّ في سياق الثّورة الرّقميّة [...] اللامركزيّة والتّكامل في اتّخاذ القرار تتطلّب ألّا تُفرض هذه العمليّات من قبل المراكز العليا بطريقة غير شفّافة ومنحازة لجانب دون آخر، بل يجب أن تكون موجّهة نحو الخير العام بالشّفافيّة والمسؤوليّة وأشكال المشاركة الحقيقيّة (التّدقيق المستقلّ، والشّفافيّة بشأن الخوارزميّات، والتّساوي في الوصول إلى البيانات، وأدوات الاستئناف)» ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 71). ولذا، «يجب بناء أشكال من التّعاون تحترم مستويات المجتمع العالميّ المختلفة وتجعلها شريكة في المسؤوليّة عن الخير العام» ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 72).
 
 مبدأُ "التضامن"
بناءً على ما أوضحه البابا يوحنّا بولس الثاني، في رسالته العامّة «الاهتمام بالشّؤون الاجتماعيّة» (30 ديسمبر/كانون الأوّل 1987)، «يُفهم التّضامن على أنّه مسؤوليّة مشتركة ملموسة بين الأفراد والشّعوب والأمم، وشكل من أشكال الصّداقة الاجتماعيّة أو المحبّة السّياسيّة الموجّهة إلى "حضارة المحبّة" التي دعا إليها البابا بولس السّادس» ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 38). و«هذا المبدأ يُولد من الرّؤية للإنسان التي تأتي من الإيمان: كلّ إنسان مخلوق على صورة الله ويدخل في شبكة من العلاقات تربطه بالآخرين، وبالشّعوب، وبالخليقة [...] التّضامن هو الاعتراف الحقيقيّ بأنّ مصير كلّ فرد مرتبط بمصير الجميع: حقًا "ما من أحد يَخلُص وحده» ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 73).
 
يوجد، إذًا، رابطٌ وَثيق بين مبدأ "التفويض" أو "التكافل" أو "المعاونة" أو "اللامركزيّة والتكامل في اتّخاذ القرار" من ناحية، ومبدأ "التضامن" من ناحية أخرى. فـ«عندما لا يرافق التّضامن اللامركزيّة والتّكامل في اتّخاذ القرار، تنتهي الأخيرة بأن تتحوّل إلى مجرّد حماية لمصالح خاصّة، وعندما لا تعزّز اللامركزيّة والتّكامل في اتّخاذ القرار التّضامن، تتحوّل الأخيرة إلى مساعدات لا تشجّع على المسؤوليّة. هذا التّرابط يُشير أيضًا إلى مسؤوليّة المشاركة الحقيقيّة: يتمّ التّعبير عن التّضامن عندما يشارك كلّ فرد، شخصيًّا ومع الآخرين، في حياة المجتمع – يثقّف نفسه، وينضمّ إلى الآخرين، ويُسمع صوته، ويساهم في القرارات والخيارات العامّة – ويتحمّل مسؤوليّات حقيقيّة حتّى يتجسّد الخير العام في خيارات مشتركة» ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 73).
 
لذا، فقد «أكّدت سُلطة تعليم الكنيسة الاجتماعيّ على أنّ التّضامن هو مبدأ وفضيلة في آن واحد. هو مبدأ يعبّر عن النّظام الموضوعيّ للعلاقات بين الأشخاص، والمجموعات والشّعوب، ويشير إلى الوعي بالتّرابط المتبادل، بحيث يمرّ خير كلّ فرد عبر خير الآخرين. وهو فضيلة، ويتطلّب "تصميمًا راسخًا ومثابرًا".
 
للعمل من أجل الخير العام، مع اهتمامٍ خاصّ للأضعفين» ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 75). وعلى هذا النحو، «اليوم، هذه المسؤوليّة تمتدّ أيضًا إلى البنى التّحتيّة الرّقميّة والمعلوماتيّة: فمثل البيئة الطّبيعيّة، يمكن أيضًا حماية "النّظام البيئيّ الرّقمي" أو استغلاله، أو مشاركته أو احتكاره. التّضامن يتطلّب أن تأخذ الخيارات المتعلّقة بالبيانات، والخوارزميّات، والمنصّات، والذّكاء الاصطناعيّ في الاعتبار ليس فقط المصلحة الفوريّة للبعض، بل التّأثير على الشّعوب ككلّ وعلى الأجيال القادمة» ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 76).
 
 مبدأُ "العدالة الاجتماعيّة"
لمبدأ "العدالة الاجتماعيّة" مستويان: مستوى سلوك الأخوّة الخاصّ بالأفراد، ومستوى هيكليّة المؤسّسات، ولا سيّما نحو الأخيرين والأشدّ ضعفًا (الفقراء، والمهاجرون، واللاجئون، والنّازحون داخليًّا، وضحايا العنف، والأشخاص الذين يعيشون في ضواحي المدن). فـ«بالنّسبة للجماعة المسيحيّة، العدل الاجتماعيّ هو شكل ملموس من أشكال اتّباع يسوع والأمانة لإنجيله [...] لكن العدل لا يتعلّق فقط بسلوك الأفراد، بل أيضًا بالطّريقة التي تمّ التّفكير فيها وتصميم الهيكليّات للعيش معًا. في هذا الصّدد، يذكّر المجمع الفاتيكانيّ الثّاني أنّ كلّ مؤسّسة مدعوّة إلى خدمة الإنسان وكرامته. يتجلّى العدل الاجتماعيّ، إذن، في قدرة النّظام الاجتماعيّ والاقتصاديّ والسّياسيّ على السّماح للجميع، لا سيّما الأكثر ضعفًا، بأن يعيشوا بطريقة إنسانيّة حقًّا، دون أن يُترك أحد في الخلف» ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 77).
 
من جهةٍ أخرى، إنّ «فكرة "العدل الاجتماعيّ" تساعدنا لندرك أنّ الظّلم لا ينشأ فقط عن خيارات خاطئة للأفراد، بل أيضًا عن الهيكليّات، والآليّات، والتّركيبات الاقتصاديّة والثّقافيّة التي تُنتج عدم المساواة بشكل شبه تلقائي» ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 79). ومن ثمّ، «في هذا الوقت، يجب على العدل الاجتماعيّ أن يتعامل أيضًا مع البيئة التي أوجدتها التّكنولوجيّات الرّقميّة. فانتشار الشّبكات العالميّة والمنّصات وأنظمة الذّكاء الاصطناعيّ غيّر طريقة الحصول على المعلومات والتّواصل والوصول إلى الخدمات. العدل يتطلّب منع ظهور أشكال جديدة من الإقصاء والحرمان من الحرّيّة: الأشخاص والشّعوب الذين يُحرمون من الوصول إلى التّكنولوجيّات الأساسيّة أو يُعرقَل وصولهم إليها، والجماعات المعرّضة للمراقبة المتطفّلة، والمجموعات الاجتماعيّة التي تُعاقب بسبب خوارزميّات غامضة تعيد إنتاج التّحيّزات والتّمييز. النّظام الاجتماعيّ العادل في عصر الرّقميّة هو النّظام الذي يضمن للجميع وصولًا عادلًا إلى الفرص، ويحمي الصّغار والأكثر ضعفًا، ويكافح الكراهية والتّضليل، ويُخضع استخدام البيانات والتّكنولوجيّات للرقابة العامّة، بحيث لا يكون المعيار هو الرّبح فقط، بل كرامة كلّ إنسان وخير الشّعوب» ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 80).
 [يُتبَع]