مدحت قلادة
«اَلسَّارِقُ لاَ يَأْتِي إِلَّا لِيَسْرِقَ وَيَذْبَحَ وَيُهْلِكَ، وَأَمَّا أَنَا فَقَدْ أَتَيْتُ لِتَكُونَ لَهُمْ حَيَاةٌ وَلِيَكُونَ لَهُمْ أَفْضَلُ» (يوحنا 10: 10).
بعد سنوات طويلة من الخدمة في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، أقف اليوم أمام نفسي وأمام الله في مراجعة صادقة لما قدمته للأجيال التي خدمت بينها.
لقد خدمت في مدارس الأحد بكنيسة القديسة دميانة، وخدمت في أسر الأطفال والثانوي والشباب والاجتماعات العامة، كما درست في الكلية الإكليريكية بالقاهرة قبل سفري إلى أوروبا. وخلال تلك السنوات الطويلة كنت أؤمن أنني أقدم صورة المسيح كما عرفتها وتعلمتها وأحببتها.
لكنني اليوم أعترف أنني لم أكن أقدم دائماً الصورة الكاملة للمسيح.
لم أكن خائناً للإنجيل، لكنني لم أكن أقدم كل الإنجيل.
لقد ركزت كثيراً على المسيح المتسامح، الغفور، الوديع، الذي أحب أعداءه وصلى من أجل صالبيه قائلاً:
«يَا أَبَتَاهُ اغْفِرْ لَهُمْ، لأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ» (لوقا 23: 34).
وهذه حقيقة مجيدة وعظيمة، بل هي قلب الرسالة المسيحية.
لكنني لم أتحدث بالقدر الكافي عن المسيح القوي، الثابت، الرافض للباطل، الذي لم يخف سلطاناً أرضياً ولم يساوم يوماً على الحق.
لقد قدمت المسيح الذي سامح، لكنني لم أبرز بما يكفي المسيح الذي واجه.
قدمت المسيح الذي احتمل، لكنني لم أتكلم كثيراً عن المسيح الذي أعلن الحق بلا خوف.
قدمت المسيح المصلوب، لكنني لم أقدم دائماً المسيح الملك.
ومع مرور الزمن أدركت أن الأمانة الحقيقية للإنجيل تقتضي أن نقدم المسيح كاملاً، لا جانباً واحداً منه.
فالمسيح ليس مجرد معلم للمحبة، بل هو رب المجد.
وهو ليس مجرد مثال للتسامح، بل هو أيضاً مثال للشجاعة.
وهو ليس فقط الحمل الوديع، بل هو أيضاً الأسد الخارج من سبط يهوذا.
لقد كان المسيح وديعاً، لكنه لم يكن ضعيفاً.
وكان متواضعاً، لكنه لم يكن خائفاً.
وكان محباً للجميع، لكنه لم يجامل الباطل.
عندما جُرِّب في البرية رفض كل مساومة وقال للشيطان:
«اذْهَبْ يَا شَيْطَانُ، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: لِلرَّبِّ إِلهِكَ تَسْجُدُ وَإِيَّاهُ وَحْدَهُ تَعْبُدُ» (متى 4: 10).
وعندما امتلأ الهيكل بالفساد لم يصمت، بل طهر بيت الله قائلاً:
«بَيْتِي بَيْتُ الصَّلاَةِ يُدْعَى، وَأَنْتُمْ جَعَلْتُمُوهُ مَغَارَةَ لُصُوصٍ» (متى 21: 13).
وعندما وقف أمام رؤساء الكهنة وتعرض للطم والإهانة لم يقبل الظلم في صمت، بل قال بكل قوة:
«إِنْ كُنْتُ قَدْ تَكَلَّمْتُ رَدِيًّا فَاشْهَدْ عَلَى الرَّدِيِّ، وَإِنْ كُنْتُ حَسَنًا فَلِمَاذَا تَضْرِبُنِي؟» (يوحنا 18: 23).
بل إن السيد المسيح نفسه مدح الشخصية الثابتة التي لا تتلون ولا تخضع للضغوط، عندما تكلم عن يوحنا المعمدان قائلاً:
«مَاذَا خَرَجْتُمْ إِلَى الْبَرِّيَّةِ لِتَنْظُرُوا؟ أَقَصَبَةً تُحَرِّكُهَا الرِّيحُ؟» (متى 11: 7).
لم يكن يوحنا قصبة تحركها الريح.
لم يكن رجلاً يغير مواقفه بحسب الظروف.
لم يكن باحثاً عن رضا الحكام أو رضا الجماهير.
لقد وقف أمام الملك هيرودس وقال له:
«لاَ يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَكُونَ لَكَ امْرَأَةُ أَخِيكَ» (مرقس 6: 18).
فدخل السجن، ثم قُطع رأسه.
لكن السماء مجدته.
وهكذا كان الأنبياء.
وهكذا كان الرسل.
وهكذا كان الشهداء.
لقد قال بطرس ويوحنا أمام السلطات الدينية:
«يَنْبَغِي أَنْ يُطَاعَ اللهُ أَكْثَرَ مِنَ النَّاسِ» (أعمال 5: 29).
وقال الرب لبولس الرسول:
«لاَ تَخَفْ، بَلْ تَكَلَّمْ وَلاَ تَسْكُتْ» (أعمال 18: 9).
ولم يكتفِ بولس بالصمت أمام الظلم، بل استخدم حقه القانوني كمواطن روماني واستأنف إلى قيصر دفاعاً عن الحق وعن رسالته.
إن الكتاب المقدس لا يعلمنا الخوف.
ولا يعلمنا الاستسلام للباطل.
ولا يعلمنا أن نصبح شهود زور بالصمت.
بل يعلمنا أن نكون نوراً للعالم وملحاً للأرض.
قال السيد المسيح:
«أَنْتُمْ نُورُ الْعَالَمِ» (متى 5: 14).
وقال أيضاً:
«أَنْتُمْ مِلْحُ الأَرْضِ» (متى 5: 13).
والنور لا يختبئ.
والملح لا يفقد تأثيره.
والمؤمن لا يدفن الحق خوفاً من الناس.
لقد عاش شهداء الكنيسة القبطية عبر القرون هذه الحقيقة العظيمة. كانوا يستطيعون إنقاذ حياتهم بكلمة واحدة أو بتنازل واحد، لكنهم فضلوا الاعتراف بالمسيح على كل شيء.
لم يكونوا أصحاب قوة بشرية، لكنهم كانوا ممتلئين بقوة الله.
ولذلك بقيت أسماؤهم في سفر الحياة بينما اختفى مضطهدوهم من صفحات التاريخ.
إن المسيحية لم تكن يوماً دين الخوف.
والمسيح لم يدعُ أتباعه ليكونوا قصباً تحركه الرياح.
بل دعاهم ليكونوا شهوداً للحق.
دعاهم ليكونوا أمناء حتى الموت.
دعاهم ليكونوا ثابتين مهما كانت الظروف.
ولهذا كان يكرر لتلاميذه وسط الخوف والاضطراب:
«أَنَا هُوَ، لاَ تَخَافُوا» (يوحنا 6: 20).
وقال أيضاً:
«فِي الْعَالَمِ سَيَكُونُ لَكُمْ ضِيقٌ، وَلَكِنْ ثِقُوا. أَنَا قَدْ غَلَبْتُ الْعَالَمَ» (يوحنا 16: 33).
إن ما تحتاجه كنيستنا اليوم ليس مؤمنين يكرهون الآخرين، بل مؤمنين يحبون الجميع.
لكنها تحتاج أيضاً إلى مؤمنين لا يخافون.
تحتاج إلى مؤمنين يغفرون، لكنهم لا يساومون على الحق.
يحبون، لكنهم لا يخضعون للباطل.
يسامحون، لكنهم لا يبررون الظلم.
يعيشون الوداعة، لكنهم يرفضون الذل.
إن المسيح الذي أؤمن به اليوم أكثر من أي وقت مضى هو المسيح الكامل:
المسيح المحب والقوي
المسيح الوديع والثابت.
المسيح الذي أحب الخطاة، لكنه لم يساوم مع الخطية.
المسيح الذي حمل الصليب بمحبة، لكنه لم ينحنِ للباطل.
هذا هو رب المجد يسوع المسيح الذي غير العالم، وبه انتصر الشهداء، ومن أجله وقف الرسل، وبه نحيا نحن أيضاً.
ولهذا أقول لكل مسيحي يشعر بالخوف أو اليأس أو العجز:
تذكر صوت سيدك وهو يقول لك اليوم كما قال لتلاميذه منذ ألفي عام:
«أَنَا هُوَ، لاَ تَخَافُوا»





