د.ماجد عزت إسرائيل

 
تُعد كنيسة الحجّ Maria Gern في برشتسجادن بجنوب بافاريا واحدة من الكنائس المريمية المهمة في التاريخ الديني والفني للمنطقة، إذ تقع في موضع شديد الخصوصية عند مدخل وادي Vordergern، على تل صغير يعرف باسم Reitbichl، وسط مشهد طبيعي يطل على جبال الألب البافارية.
 
وترجع بدايات الحجّ إلى هذا المكان إلى مطلع القرن السابع عشر، حين ظهرت أولى ملامح التكريم المريمي في زمن الإصلاح المضاد، ثم ازدادت أهمية الموقع بعد أن نحت Wolfgang Hueber صورة النعمة المريمية عام 1666م، فشُيدت لها كنيسة صغيرة عام 1669م.
 
ومع تزايد أعداد الحجاج، أُقيمت كنيسة أولى نحو عام 1680م، ثم جاء البناء الحالي بين عامي 1708 و1710م، قبل أن يكتمل السقف والبرج بصورتهما النهائية عام 1724م، لتصبح الكنيسة شاهدًا مهمًا على تطور عمارة الحجّ في بافاريا. وتكشف الكنيسة من الداخل عن ثراء فني وروحي كبير، حيث يظهر المذبح العالي المصنوع من خشب الجوز، وصورة العذراء والطفل في قلبه، محاطة بالملائكة والتماثيل والزخارف، بينما يعلو المذبح مشهد رئيس الملائكة ميخائيل وهو ينتصر على التنين.
 
كما تتميز الكنيسة بسقفها المزخرف بالجص، وبالرسوم الجدارية التي تعرض دورة واسعة من حياة السيدة العذراء، إلى جانب عشرات الصور النذرية التي تشهد على علاقة المؤمنين بهذا المكان عبر قرون طويلة من الصلاة والرجاء. وقد اكتمل الطابع الداخلي للكنيسة عام 1777م بإضافة الحاجز الحديدي المشغول، الذي يمنح المكان خصوصية طقسية وجمالية واضحة، ويعكس ذوقًا فنيًا رفيعًا في الجمع بين العمارة والعبادة والزخرفة.
 
زار كاتب هذه السطور كنيسة Maria Gern في يناير 2023م، وكانت الزيارة من اللحظات التي تركت أثرًا خاصًا في القلب، ليس فقط بسبب جمال المكان، بل لما يحمله من ذاكرة روحية وتاريخية عميقة. فهذه الكنيسة ليست مجرد مبنى أثري بالقرب من ميونخ، بل صفحة حية من تاريخ الإيمان في بافاريا، حيث يتلاقى الفن الباروكي مع الحجّ الشعبي، وتتحول الجدران والمذابح واللوحات النذرية إلى شهادة صامتة على قرون من الصلاة والتسليم والرجاء.