هانى دانيال
بينما يتساءل العالم عن سر الاستمرارية الأسطورية لـ كريستيانو رونالدو وليونيل ميسي داخل المستطيل الأخضر، تفرض "شاكيرا" معادلتها الخاصة خارج حدوده؛ منافسةً إياهم في البقاء على قمة الشغف العالمي لأكثر من عقدين من الزمن. لم تكن النجمة الكولومبية مجرد مغنية مرت على كأس العالم، بل تحولت إلى "التميمة الموسيقية" الحية التي تعيد النبض للملاعب، والأيقونة التسويقية والفنية التي لم يجد الـ FIFA بديلًا يضاهي بريقها حتى الآن.
 
تمتلك شاكيرا قدرة نادرة على صياغة "الهوية الوجدانية" للمونديال، محولةً البطولة من مجرد تنافس رياضي شرس إلى احتفال كوني تتوحد فيه الشعوب على إيقاع واحد. هذا السحر جعل من استدعائها المتكرر رهاناً مضموناً يمزج بذكاء بين الجنون الجماهيري والعائد التجاري الضخم.
 
في محاولة لكسر فخ التكرار والحفاظ على زخم البطولة القادمة، رسم الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA) لوحة فنية مغايرة لمونديال 2026. لم يترك الاتحاد المشهد لشاكيرا بمفردها هذه المرة، بل أحاطها بأشرس أصوات الجيل الجديد؛ مثل Burna Boy وTyla وJ Balvin وNora Fatehi، في توليفة مدروسة لضخ دماء عصرية وشابة في عروق البطولة، دون المساس بالعمود الفقري الجماهيري الذي تمثله النجمة الكولومبية.
 
لم تكن علاقة شاكيرا بالمونديال وليدة تخطيط مسبق، بل بدأت كمفاجأة غير متوقعة في مونديال ألمانيا 2006. حينها، كانت الأغنية الرسمية للبطولة كلاسيكية أوبرالية لفرقة Il Divo، لكن الفيفا أراد استغلال النجاح الكاسح لأغنية شاكيرا "Hips Dont Lie"، فطلب منها تقديم نسخة خاصة للحفل الختامي حملت اسم "Bamboo".
 
كانت النتيجة صدمة غيرت حسابات الفيفا للأبد؛ فالأغنية الرسمية الكلاسيكية نُسيت تماماً، بينما علقت نسخة شاكيرا في أذهان الجماهير وارتبطت بذاكرة المونديال. هنا اكتشف الفيفا "الخلطة السحرية": الأغاني الأوبرالية الصارمة لم تعد تصلح للمونديال، والملاعب تحتاج إلى إيقاعات لاتينية وأفريقية راقصة تشعل الحماس. وبناءً على هذا الرهان غير المتوقع، قرر الفيفا في المونديال التالي (جنوب أفريقيا 2010) تسليم المفاتيح لشاكيرا بالكامل لتصنع أغنية "Waka Waka" من الصفر... لتولد الأسطورة التي لا تزال تهيمن على البطولة.
 
محاولات الـ FIFA لكسر الهيمنة الكولومبية
بعد تلك الشرارة، حاول الفيفا مراراً الاستنجاد بهويات موسيقية أخرى لكسر احتكار شاكيرا؛ فاستحضر سحر البوب البريطاني مع روبي ويليامز في روسيا 2018 دون ترك أثر مستدام، واستثمر موجة "الكيبوب" عبر جونغكوك في قطر 2022 بأغنية "Dreamers" التي حققت أرقاماً قياسية بـ 500 مليون استماع على Spotify و420 مليون مشاهدة على يوتيوب كأعلى فيديو في تاريخ قناة الفيفا. كما جرّب المزيج العربي-اللاتيني في أغنية "Tukoh Taka" لـ ميريام فارس، نيكي ميناج، ومالوما.
 
ورغم النجاح الجماهيري اللحظي لهذه المحاولات، إلا أنها عجزت عن هز عرش "Waka Waka
 
This Time for Africa
والتي ما زالت تغرد منفردة بأكثر من 4.5 مليارات مشاهدة واستماع كأكثر عمل موسيقي تأثيراً وحضوراً في تاريخ كأس العالم.
 
واليوم، تعود شاكيرا لتبسط نفوذها مجدداً على مونديال 2026، كاتبةً فصلاً جديداً من الإثارة عبر أغنيتها الجديدة "Dai Dai" بالشراكة مع "بورنا بوي". الأغنية التي أشعلت المنصات الرقمية فور إطلاقها، لم تأتِ للمتعة فقط؛ إذ تقرر تخصيص جزء من عوائدها الرقمية لدعم "صندوق التعليم العالمي" التابع لمنظمة Global Citizen.
 
بذلك، تبرهن شاكيرا مجدداً على معادلتها الخاصة: إنها لا تصنع مجرد أغنية عابرة للبطولة، بل تحوّل صخب الملاعب وهتاف المدرجات إلى رسالة إنسانية ملهمة تتجاوز حدود الرياضة والموسيقى.