كمال زاخر
لا أزعم إنني أملك مفاتيح سحرية تفتح الأبواب الموصدة، ولا جرَّافات كونية تزيح متاريس عتية تتحصن خلفها، فقط أملك انتماءً عضوياً تمتد جذوره في تربة الكنيسة بما يجعلها عصية على الانتزاع، رغم أعاصير تستهدفها تشكك فى هذا الانتماء، ولا أزعم أنني بطل قادر على مواجهتها، فقط أحتمي بوشائج الحب التي تربطني بذلك الكيان والتي تشكلت وتنامت بامتداد عمر طال وموروث وقر في قلبي وعقلي وضميري.
 
لم أقف بعيداً عن اشكاليات الكنيسة فقد اقتربت منها مبكراً، فاحصاً ومحللاً عبر متابعات استندت لمشاهدات ووقائع معاشة طرحتها على ما حفظته لنا صفحات التاريخ وما استقر في ادبيات الكنيسة الجامعة قبل وبعد الإنشقاق الكبير، بقدر ما توفر لديَّ، والربط بين هذا وبين المناخات العامة المتعاقبة سياسية واجتماعية منذ عرفت مصر المسيحية وحتى اللحظة، وكانت في أغلبها مناوئة للكنيسة بتعدد انظمة الحكم، وتوالي الاحتلالات الأجنبية والتي شهدت احقاب من الاضطهادات  والإستهداف والاستبعاد، ولن أقف كثيراً أو قليلاً أمام التفاصيل فهي محملة بمآس وخطوب تشهد بصلابة الأقباط وقدرتهم على عبور دروبها الوعرة حاملين إيمانهم بثبات وبالتوازي لم يتزعزع انتمائهم لوطنهم بل وانتبهوا مبكراً لما قدموه من دماء شهدائهم فدشنوا تقويمهم ونسبوه للشهداء وجعلوا بدايته مع اعتلاء الإمبراطور الروماني دقلديانوس كرسي الحكم، والذى شهد عصره أحدي ذرى الإضطهاد وأولها.
 
في مواجهة هذا تحصن الأقباط بكنيستهم، وصنعوا حولهم سياجاً يحمي قيمهم وتقاليدهم، دون أن ينعزلوا عن المجتمع العام ودون أن يتحولوا إلى "جيتو"، ربما لهذا استطاعوا أن يكونوا رقماً فاعلاً في المعادلة المصرية حضوراً واسهاماً وارتقاء رغم صيرورتهم أقلية عددية. وظني أن هذا كان نتاجاً طبيعياً لماهية الإيمان المسيحي الذي يرسخ قيم المحبة والعطاء والبذل وانكار الذات، وهو ما عزز قبولهم مجتمعياً، رغم ممارسات انظمة الحكم الجائرة بامتداد التاريخ.
 
على أن تلك المناخات جعلت الأقباط أكثر توجساً وخوفاً من الذوبان، وهو توجس بدأ مبكراً مع الإنشقاق الأول عقب مجمع خلقيدونية ـ القرن الخامس ـ فهجروا اليونانية لساناً إلى القبطية، ومازال هذا التوجس قائماً ويمثل أحد عوائق التلاقي والحوار المسكوني، خشية الذوبان، ومعه اختلط القومي بالعقيدي، وتجذر هذا التوجس ليشكل معلماً في تكوين الذهنية القبطية الشعبوية، خاصة بعد الدخول العربي (غزواً أو فتحاً).وما اعقبه من تحولات ومن تداول الحكم حتى وصل إلى حقبة الخلافة العثمانية والممتدة لثلاثة عقود وما حملته من عنت وتخلف وعنف طال كل المصريين.
 
وفي ذات السياق كان هذا التوجس أحد أهم أسباب الاستفاقة القبطية "الأرثوذكسية" في التاريخ المعاصر، والتي تمتد ارهاصاتها إلى حبرية (عصر) البابا كيرلس الرابع (1853 ـ 1861م.)، وتتنامى مع حبرية البابا كيرلس الخامس (1874 ـ 1927م.)  والذي تبلورت في عصره في مسارين، أحدهما إداري تنظيمي والثاني تعليمي، تعثر الأول وتنامى الثاني وأنتج منظومة مدارس الأحد والمعاهد الدينية ـ الإكليريكية ومعهد الدراسات القبطية ـ وكان للتعثر والتنامي دورهما في تفاقم اشكاليات الكنيسة المعاصرة.
 
غداً السبت نستكمل المشوار