كتب - محرر الاقباط متحدون  
ترأس قداسة البابا لاوُن الرابع عشر، ظهر اليوم الجمعة القداس الإلهي في ميناء سانتا كروز دي تينيريفي، احتفالاً بـ "عيد قلب يسوع الأقدس" ومختتمًا زيارته الرسولية إلى اسبانيا، بحضور آلاف المؤمنين من أبناء الأرخبيل والزوار، وجاءت عظة الأب الأقدس كرسالة روحية ورعوية عميقة؛ حيث انطلق من معاني العيد ورمزية البحر المحيط بالجزر ليؤكد أن الإنسان لم يُخلق ليعيش كجزيرة منفصلة، بل وُلد من أجل اللقاء والمسيرة المشتركة.
 
قال البابا لاوُن الرابع عشر إنها لنعمةٌ أن نلتقي في هذا اليوم الذي يتيح لنا فيه قلب يسوع أن نتأمله كقلب التاريخ. يسعدني أن أحتفل معكم بالإفخارستيا، شاكراً على الإيمان والمحبة اللذين تلقيت عنهما شهادات كثيرة خلال هذه الزيارة الرسولية، واللذين يجعلان أيضاً هذا الأرخبيل، المشهور بجماله وحسن ضيافته، مكاناً يسبقنا إليه الرب القائم من بين الأموات ويتجلى فيه. إن البحر الممتد أمامنا يذكرنا باللانهاية، وكذلك السماء؛ ولكن اللامتناهي هو بالدرجة الأولى تلك الرغبة التي تربط قلب الله بقلوب بشرية كثيرة، تجد صدى لأفراحها وآمالها، حزنها وقلقها في قلب الكنيسة. ليس هناك كائن بشري يعيش كجزيرة منفصلة؛ إن الموقع الجغرافي لهذه الأبرشية والتحديات الرعوية التي تلتزم بمواجهتها يثبتان أننا وُلدنا من أجل اللقاء، وأنه لا يوجد عائق أو مسافة أو خطر أو تهديد يمكنه أن يمنع أي فرد من مواصلة رحلته. وسواء قضى الإنسان حياته بأكملها في المكان نفسه، أو اختار الرحيل أو أُجبر عليه، لا أحد يبقى ساكناً أبداً. هذا هو سر القلب: الدعوة الحميمة إلى الخروج واللقاء.
 
تابع الأب الأقدس يقول لكن قلب يسوع يكشف لنا كيف لا نضيع في ديناميكية عقيمة: "إنَّ الله أرسل ابنه الوحيد إلى العالم لنحيا به". توجد الحياة عندما نمنح الحياة، وخلاف ذلك، فإننا ندور في فراغ. وفي الواقع، "وكما يذكر المجمع، فإن الكائن البشري مدعو للشركة مع الله و"لا يمكنه أن يجد كماله إلا من خلال بذل الذات الصادق"؛ إن دعوته الأكثر عمقاً هي الدخول في الحركة الثالوثية للحب الذي يُقبل وتتمَّ مشاركته. وقد لاحظ البابا فرنسيس قائلاً: "يختبر أشخاص كثيرون خللاً عميقاً يدفعهم إلى القيام بالأمور بسرعة فائقة ليشعروا بأنهم مشغولون، في عجلة مستمرة تقودهم بدورها إلى سحق كل ما يحيط بهم. وهذا الأمر يترك أثراً على طريقة التعامل مع البيئة". إنها كلمات تسائل أيضاً الرسالة السياحية لجزيرة تينيريفي، سواء فيما يتعلق بقلب من يقرر قضاء فترة إجازة هنا، أو لمن يعيش ويعمل في الجزيرة، في اتصال بزوار من بلدان عديدة حول العالم. فما الذي يبحث عنه القلب البشري؟ وكيف نجيب على عطشه بطريقة غير خداعة؟ كم هو مهم، لا سيما لمن يسترشد بالإنجيل، ألا يختزل كل شيء في التجارة والربح. "إن الذين يستمتعون أكثر ويعيشون كل لحظة بشكل أفضل هم الذين يكفون عن التنقل السريع هنا وهناك بحثاً عما لا يملكونه، ويختبرون ما يعنيه تقدير كل شخص وكل شيء، ويتعلمون التواصل ويعرفون كيف يبتهجون بأبسط الأمور. وبذلك يصبحون قادرين على تقليص الاحتياجات التي لا تتمُّ تلبيتها ويخففون من الإرهاق والهوس". فسِّروا هكذا، أيها الإخوة والأخوات الأعزاء، دعوتكم إلى الاستقبال والضيافة.
 
أضاف الحبر الأعظم يقول يبدو الإنجيل اليوم كأنه يضفي طابعاً جذريًّا على هذا التحدي ويذكرنا بغنى الفقراء: مفارقة تحيل مباشرة إلى حياة يسوع، وإلى حقيقته، وإلى الدرب الذي لا يزال يدعونا لنتبعه فيه. وفي المقطع الذي استمعنا إليه، هو يبارك الآب لهذا السبب: للصغار—والذين يعنون في هذا السياق الأقل شأناً، والذين لا أحد يظن أنهم قادرون على التفكير والتعبير—كشف الله عن ذاته. لقد أغناهم بما يبقى مخفياً عن المحاطين بالإعجاب والنجاح. ومن خلال الإرشاد الرسولي "لقد أحببتك" أردت أن أسترعي الانتباه إلى تلك المكانة المميزة للفقراء في الوحي الإلهي وفي رسالة الكنيسة.
 
تابع الأب الأقدس يقول إنه سر يتردد صداه بطريقة نوعية ومحددة في هذه الجزر، الواقعة في قلب طرق الهجرة التي تجعل منها مكاناً للاستقبال الأول لإخوة وأخوات تتعرض رحلتهم عموماً لأخطار وأعمال عنف لا توصف. وأمام الذين يتاجرون باليأس، لا يمكننا كمسيحيين أن نقدم سوى انعكاس لصورة الرب الذي يقول: "تعالوا إليَّ جميعا أيها المرهقون المثقلون، وأنا أريحكم". إن النعمة الأعظم هي أن نسمح بأن يُبشِّرنا الذين نساعدهم، وأن ندرك حكمة الله السرية المكتوبة في أجسادهم: "إن الفقراء، الذين نشأوا في ظل ظروف بالغة الهشاشة، وتعلموا البقاء على قيد الحياة في أصعب الظروف، والذين يتّكلون على الله بالـيقين بأن لا أحد آخر يأخذهم على محمل الجد، ويساعدون بعضهم بعضاً في أحلك الأوقات، قد تعلموا أموراً كثيرة يحفظونها في سر قلوبهم. وإن الذين منا لم يختبروا مواقف مماثلة، لحياة تُعاش على الحدود، لديهم بالتأكيد الكثير ليتلقوه من نبع الحكمة هذا الذي تشكله خبرة الفقراء. وفقط من خلال مقارنة شكوانا بمعاناتهم وحرمانهم، يمكننا أن ننال توبيخًا يدعونا إلى تبسيط حياتنا". إن الرب، الذي يوبخ ويؤدب الذي يحبه، يرغب في أن يجعل حياتنا بسيطة ومبهجة.
 
وختم البابا لاوُن الرابع عشر عظته بالقول أيها الإخوة والأخوات الأعزاء، شكراً لكم على ما أنتم عليه وعلى ما تفعلونه، إذ تحوِّلون هذه الجزيرة إلى مكان للقاء قلب المسيح في الوجه الصديق والمضياف للأشخاص وللجماعات الأخوية. "نحن عرفنا المحبة التي يظهرها الله بيننا وآمنا بها": لتشرق فيكم دائماً شهادة الإيمان هذه التي تنقلها الرسالة الأولى للرسول يوحنا، ولتدفعكم إلى الصلاة والعمل. أولوا اهتمامكم للمراهقين والشباب، للأغنياء والفقراء، للمقيمين والضيوف: فجميعهم بحاجة إلى أن يُعرفوا بنظرة تخترق المظاهر وتدرك عمق قلوبهم القلقة، والتي غالباً ما تكون موجهة، وربما دون وعي، نحو ملكوت الله وبره. ليتنفّس الجميع بينكم أنَّ "الله محبة ومن أقام في المحبة أقام في الله وأقام الله فيه". هذا هو قلب الإنجيل، قلب المسيح. ومن يغوص فيه لا يعود يحيا لنفسه. افتحوا للجميع محيط الحب هذا! هذه هي أمنيتي وصلاتي من أجلكم ومن أجل جميع الذين تلتقون بهم في مسيرتكم.