الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ

من الأخطاء المنطقيّة الشائعة الخلط بين عدم الإيمان بكتابٍ دينيّ وبين الادعاء بأنّ هذا الكتاب محرَّف.
 
فالقضيّتان مختلفتان تمامًا. قد يرفض الإنسان كتابًا دينيًّا لأنّه لا يعدّه وحيًا إلهيًّا، أو لأنّه يختلف مع تعاليمه وعقائده، لكنّ هذا الرفض اللاهوتي (الكلاميّ) لا يكفي في حدّ ذاته لتأكيد القول إنّ النصّ قد تعرّض للتحريف أو التزوير.
 
فعدم الإيمان مسألةٌ تتعلّق بالاقتناع الدينيّ والالتزام العقيديّ، أمّا التحريف فهو ادّعاء تاريخيّ يحتاج إلى أدلّة تاريخيّة مستقلّة ملموسة. ولهذا لا يستطيع الباحث في إطار البحث التاريخيّ الصارم أن يكتفي بالاستناد إلى معتقده الشخصيّ أو إلى نصّ مقدّس يؤمن به لإثبات أنّ كتابًا مقدّسًا آخر قد حُرِّف. فمن حقّ كل مؤمن أن يلتزم بدينه وأن يرفض كتبًا أخرى لأسباب دينيّة أو لاهوتيّة، لكنّ الحوار التاريخيّ لا يقوم على الإيمان المسبق بل على الوثائق والشواهد.
 
وعندما يوجّه أحدُهم اتّهامًا تاريخيًّا بتحريف التوراة أو الإنجيل أو أيّ كتاب دينيّ آخر، فإنّ المؤرّخ لا يبدأ بمناقشة العقائد ولكنّه يطرح سلسلة من الأسئلة المنهجيّة الواضحة: متى وقع هذا التحريف؟ وفي أيّ قرن؟ ومن الذي قام به؟ وأين حدث؟ وهل كان قبل انتشار النص أم بعد انتشاره؟ وكيف أمكن تنفيذ هذا التغيير في جماعات متعدّدة منتشرة في بلدان مختلفة وتتكلّم لغات مختلفة؟ وأين المخطوطات التي تمثّل النصّ السابق على التحريف؟ وهل توجد شهادات تاريخيّة معاصرة تتحدّث عن عمليّة التغيير؟ وإذا وقع التحريف فعلًا، فكيف اختفت جميع النسخ القديمة من دون أن تترك أثرًا؟ وكيف أمكن إقناع جماعات متباعدة جغرافيًّا ومتخاصمة أحيانًا بتبنّي النصّ الجديد في الوقت نفسه؟ هذه هي الأسئلة التي يطرحها التاريخ.
 
فادّعاء التحريف ليس موقفًا إيمانيًّا بل فرضيّة تاريخيّة تحتاج إلى أدلّة تاريخيّة ملموسة.
 
والمؤرّخ لا يكتفي بالقول إنّ كتابًا ما تعرّض للتغيير، فهو يبحث عن المخطوطات والترجمات القديمة والاقتباسات المبكرة والشهادات المعاصرة للأحداث. ولذلك فإنّ عبء الإثبات يقع دائمًا على مَن يقدّم دعوى التحريف، لا على مَن يطلب الدليل عليها.
 
ولعلّ أوضح مثال على ذلك أنّ المسيحي مثلًا لا يؤمن بالقرآن بوصفه وحيًا إلهيًّا، ولا يؤمن بالكتب المقدّسة في الديانة البهائيّة، ولا بالبهاغافاد غيتا في الهندوسيّة، ومع ذلك لا يدفعه هذا الرفض اللاهوتي تلقائيًّا إلى الادعاء بأنّ هذه النصوص قد زُوِّرت أو حُرِّفت.
 
فعدم الإيمان بشيء لا يساوي تاريخيًّا إثبات أنّه تعرّض للتغيير. إنّهما بكلّ وضوح أمران مختلفان تمامًا.
 
ومن ثمّ فإنّ الخلاف حول صدق الوحي أو مصدره الإلهيّ يظلّ مسألة لاهوتيّة-كلاميّة وفلسفيّة مشروعة، أمّا الادعاء بأنّ نصًّا دينيًّا قد تعرّض لتحريف تاريخيّ شامل فهو قضية مختلفة تمامًا، ولا يمكن أن تحسم بالاقتناعات المسبقة لأنّها تحتاج إلى أدلّة ووثائق ومخطوطات.
 
فالتاريخ لا يطلب من الباحث أن يؤمن بالنص قبل دراسته ولكنّه يطلب منه أن يبرهن على دعواه وفق قواعد البحث التاريخيّ نفسها.