القمص يوحنا نصيف
أراد الربّ يسوع المسيح أن يُعالج رسله القدّيسين من داء المجد الباطل والمنافسة على المراكز الأولى في هذا العالم، بأنّه كشف لهم عن المجد الذي ينتظرهم في السماء، وشجّعهم أن يضعوا تركيزهم على مكانتهم في الملكوت، وأنّ كلّ تعب أو ضِيق في خدمة المسيح وتبعيّته على الأرض سيكون مكافأته عظيمة في السموات؛ فقال لهم:
"أَنْتُمُ الَّذِينَ ثَبَتُوا مَعِي فِي تَجَارِبِي، أَنَا أَجْعَلُ لَكُمْ كَمَا جَعَلَ لِي أَبِي مَلَكُوتًا، لِتَأْكُلُوا وَتَشْرَبُوا عَلَى مَائِدَتِي فِي مَلَكُوتِي، وَتَجْلِسُوا عَلَى كَرَاسِيَّ تَدِينُونَ أَسْبَاطَ إِسْرَائِيلَ الاثْنَيْ عَشَرَ" (لو22: 28-30).
يُعَلِّق القدّيس كيرلّس الكبير على هذا الكلام بتأمّلات جميلة، اخترت منها في هذا المقال بعض الفقرات:
عندما يَحين الوقت الذي فيه سنكون مع المسيح، ويُنعِم علينا بمشابَهة جسده المُمَجَّد، هل معنى هذا أنّه حتّى بعد أن نكون قد لبسنا عدم الفساد، سنكون في حاجة آنذاك -من جديد- لطعام وموائد؟ أليس من الحماقة التامّة أن نقول أو نرغب في أن نتخيّل شيئًا من هذا القبيل؟
عندما نكون قد خلعنا الفساد، فما هو القوت الجسدي الذي سنكون في احتياجٍ إليه؟ فإن كان الأمر هكذا، فما هو معنى العبارة: "لتأكلوا وتشربوا على مائدتي في ملكوتي؟
أُجيب إنّه مرّة أخرى يُعلِن لنا الأمور الروحيّة من خلال أمور الحياة العاديّة. فأولئك الذين يستمتعون بأعظم الكرامات مع الملوك الأرضيّين، يشتركون في الوليمة معهم، ويأكلون في صُحبتهم، وهذا أمر يعتبرونه قمّة المجد، وكذلك يوجَد آخَرون يَعتَبرهم أصحاب السلطان أنّهم جديرون بالكرامة، ومع ذلك لا يَسمحون لهم أن يأكلوا معهم على نفس المائدة.
لذلك، فلكي يبيِّن (الربّ) أنّهم سيَنعمون معه بأعلى الكرامات، فإنّه يستخدِم مثالًا مأخوذًا من الحياة العاديّة، فيقول لهم: "وأنا أجعل معكم عهدًا (عهد ملكوت) لتأكلوا وتشربوا على مائدتي في ملكوتي".
كيف وبأيّ طريقة (يفعل ذلك)؟ إنّه يقصد أنّ التلاميذ الذين هم من الجنس الإسرائيلي، قد حصلوا على أقصى الأمجاد مع المسيح مخلّص الكلّ، لأنّهم بالإيمان والثبات أمسَكوا بالهِبة، الذين نسعى نحن أيضًا للاقتداء بهم، لأنّه هكذا سيَقبلنا المخلّص وربّ الكلّ في ملكوته.
[عن تفسير إنجيل لوقا للقدّيس كيرلّس السكندري (عظة 143) - إصدار المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائيّة - ترجمة الدكتور نصحي عبد الشهيد]
جدير بالذِّكر أنّ كنيستنا القبطيّة الأُرثوذكسيّة، قد قامت بتلحين هذه الآيات الثلاثة الجميلة (لو22: 28-30) بنغمات شجيّة وطويلة (تستغرق حوالي 15 دقيقة)، ليتمّ ترتيلها أثناء القدّاسات طوال فترة صوم الرسل الأطهار، وهو ما يُعرَف بلحن "إنثوتين ذي"، لتُذَكِّرنا بكرامة آبائنا الرسل، وما أعدّه الله لهم من مجد سماوي.





