بقلم: نادية هنري نائب برلماني سابق
في ظل الاهتمام المتزايد من الدولة المصرية بمسار العائلة المقدسة، وهو أحد أهم المسارات الروحية والتاريخية في العالم، يتجدد النقاش حول أفضل السبل لإدارته وتطويره وتحويله إلى مشروع سياحي عالمي يليق بمكانة مصر وتاريخها.
 
ولا شك أن مجرد طرح هذا المشروع على أجندة الدولة يعكس إدراكًا مهمًا لقيمة هذا المسار الفريد، الذي يجمع بين البعد الديني والبعد الحضاري والبعد الإنساني، ويمنح مصر موقعًا استثنائيًا على خريطة السياحة الدينية العالمية.
 
لكن السؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم ليس حول أهمية المشروع، فهذه مسألة محسومة، بل حول: ما هو النموذج الأمثل لإدارته؟
 
المقترح المطروح حاليًا يقوم على إنشاء هيئة جديدة لإدارة درب العائلة المقدسة، وهو نموذج إداري تقليدي يعتمد على جهاز بيروقراطي جديد، ولوائح، وموازنات، وصناديق مالية خاصة.
 
وهنا يبرز تساؤل جوهري: هل نحتاج فعلًا إلى إضافة هيئة جديدة، أم إلى نموذج أكثر مرونة وكفاءة وشفافية؟
 
في السنوات الأخيرة، اتجهت الدولة إلى ترشيد الهياكل الإدارية وتعزيز الحوكمة وتقليل التداخل بين الجهات. ومن هذا المنطلق، فإن إضافة هيئة جديدة ذات طابع إداري قد لا يكون الخيار الأكثر كفاءة، خاصة إذا كان الهدف الأساسي اقتصاديًا وتنمويًا وسياحيًا.
 
لذلك، يمكن طرح بديل أكثر شمولًا وفاعلية:
 
أن يتحول مشروع درب العائلة المقدسة إلى مشروع قومي استثماري من خلال إنشاء شركة مساهمة مصرية وطنية، تُطرح أسهمها للمواطنين داخل مصر وخارجها، بحيث يصبح المصريون أنفسهم شركاء في هذا المشروع الحضاري.
 
هذا النموذج يحقق عدة أهداف في آن واحد:
 
أولًا: تحويل المشروع من عبء إداري إلى مشروع استثماري يشارك فيه المواطنون.
 
ثانيًا: توفير مصدر تمويل مستدام بعيدًا عن تعقيدات الموازنات والصناديق الخاصة، مع تعزيز الشفافية من خلال قواعد الإفصاح والرقابة المالية المطبقة على الشركات المساهمة.
 
ثالثًا: توسيع قاعدة الملكية الشعبية للمشروعات القومية، بحيث يشعر المواطن أن نجاح المشروع هو نجاح له شخصيًا.
 
رابعًا: تجنب إنشاء كيانات بيروقراطية جديدة قد تؤدي إلى بطء القرار الإداري وتعدد مراكز السلطة.
 
ومن المهم التأكيد أن هذا الطرح لا يمس بأي حال الطبيعة الدينية أو التاريخية للمواقع الواقعة على مسار العائلة المقدسة، والتي تظل تحت إدارتها المختصة وطبيعتها الروحية والتاريخية.
 
إن المقترح يتعلق بإدارة الاستثمار والخدمات السياحية والبنية التحتية والتسويق، وليس بإدارة أو تغيير الوظيفة الدينية أو التاريخية لهذه المواقع.
 
وفي هذا السياق، تصبح الدولة مسؤولة عن التنظيم والرقابة ووضع الإطار العام، بينما تتولى شركة وطنية مساهمة إدارة الجانب الاستثماري والتشغيلي، بما يضمن الكفاءة الاقتصادية ويعزز مشاركة القطاع الخاص والمواطنين.
 
أما البرلمان، فدوره لا يقتصر على إقرار المشروعات، بل يمتد إلى تقييم البدائل واختيار النموذج الأكثر كفاءة وشفافية واستدامة.
 
وأما الكنيسة، فهي شريك أصيل في الحفاظ على هذا التراث الروحي والتاريخي، بما يضمن عدم المساس بطبيعته المقدسة، مع فتح المجال أمام تطوير الخدمات المحيطة به بما يخدم الزائرين والمجتمع.
 
وأما المواطن المصري، فهو ليس متلقيًا سلبيًا للمشروعات القومية، بل يمكن أن يكون شريكًا حقيقيًا في ملكيتها وعوائدها.
 
إن قوة مشروع العائلة المقدسة لا تكمن فقط في قيمته التاريخية، بل في قدرته على أن يكون نموذجًا للتنمية الشاملة التي تجمع بين الروحاني والاقتصادي، بين التراث والاستثمار، وبين الهوية والمستقبل.
 
وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا:
 
هل نختار إنشاء هيئة جديدة تُضاف إلى منظومة إدارية قائمة، أم نختار أن نحول هذا المشروع إلى مشروع قومي يملكه المصريون جميعًا؟
 
إن الإجابة على هذا السؤال ستحدد ليس فقط شكل إدارة المشروع، بل أيضًا شكل العلاقة بين المواطن والدولة والمشروعات القومية في المستقبل.