بقلم الأب يسطس الأورشليمى
أليس الكلمة الإلهي هًو رّب وملك وصاحب سُلطان حتى قبل تجسده؟!
 
أنه بتجسده وصلبه وقيامته أقامنا ملوكاً وأصحاب سُلطان، لقد ملك بالقيامة، إذ جعلنا نحنً أعضاء جسده ملوكاً، وحطم العدو تحت قدميه، لأنه وهبنا رُوح النُصرة والغلبة، وأبطل المُوت لأننا فيه ننال القيامة، وبقيامته أعلن مُلكه رب الأحياء والأمُوات (رو9:14)، ويُحطم العدُو وتتحقق النهاية وكلمة: نهاية، تُشير إلى وضع حدٍ للشيء، أو تحقيق نهاية غايته، أي تُشير إلى تحقيق كمال عمل الخلاص حيث يتمتع المُؤمنُون بالمجد، ويلتصق كُل المُؤمنين بالله كأبناء وأصدقاء وأعضاء في جسد المسيح الممجد، كما تعنى نهاية الحياة البشرية، ونهاية ممالك هذا العالم، وكلمة: الآب تُستخدم لتُشير إلى الأقنوم الأول، وإلى اللاهوت بكُونه الله ضابط الكُل..
 
لأنه أخضع كُل شيءٍ تحت قدميه، ولكن حينما يقُول: إن كُل شيءٍ قد أخضع، فواضح أنه غير الذي أخضع له الكُل، ومتى أخضع له الكُل، فحينئذٍ الابن نفسه أيضاً سيخضع للذي أخضع له الكُل..
 
كوسيط لدى الآب يتقدم المسيح ليُخضع الكُل له، ذاك الذي جلس مع أبيه على عرشه، جلس ليُمارس وساطته الإلهية الملوكية، ويُحسب هذا مكافئة له عن تقديم نفسه كفارة عن الإنسان بذبيحة الصليب (فى6:2-12)، وبصعُوده إلى السماء صار رأساً على كُل شيء لحساب كنيسته، له سُلطان أن يحكم ويحمي الكنيسة من كُل أعدائها..
 
 وفي النهاية يحقق الخلاص الكامل للمُؤمنين به، إذ يشاركونه مجده، وبقوله: كُل شيء، يحوي أيضاً المُوت، وبقوله: أخضع، يتحدث بلغة اليقين كحقيقة مُؤكدة لا توجد أي احتمال آخر..
 
 لقد وضع كُل شيء تحت قدميه خلال وعده له، وخطته الإلهية إذ أقامه رأساً لكُل شيء، حيث أعطى للبشرية أن يكُون لها سُلطان على كُل شيء (مز4:8-6) وهذا لن يتحقق لها إلا بالمسيح يسُوع رّبنا.. 
 
راجع (أف20:1؛ في21:3؛ عب8:2؛ 1بط22:3)..
 
 لكن لماذا قال: غير الذي أخضع له الكُل ؟!
 
ليتجنب إمكانية إثارة اعتراضات تافهة، لئلا يفهم البعض كُل شيء، بما فيه الآب يخضع له، وذلك يمنع الظن بأن بُولس الرسُول في حديثه عن سُلطان الابن قد بالغ فيه حتى صار أعظم من الآب، فإن كان الابن قد تجسد وخضع كابن الإنسان للآب، فبعد القيامة وإتمام عمل المسيح الشفاعي تظهر مساواة الآب والابن بُوضُوح كما قبل التجسد.. 
أولاً: خضُوع الابن كرأس الكنيسة..
 
 ماذا يعني يخضع الابن، ويصير الله هُو الكُل في الكُل؟ 
صار كلمة الله المُتجسد الذي هُو واحد مع أبيه، ومساوٍ له في ذات الجوهر إنساناً، لكي يكُون وسيطاً بين الله والناس (1تي5:2)، الآن إذ انتهى دُور الوساطة فلا يعود يشفع عن أناسٍ جدد كإنسانٍ يخضع للآب، فهُو رأس الكنيسة، وخضوع الابن هُنا ليس كخضُوع الخليقة..
 
 إنما خضُوع ذاك الذي هُو واحد معه ومساوٍ له في ذات الجوهر، فالابن الذي قام بدور الوسيط، وقدم نفسه ذبيحة حُب عن البشرية، وصار رأساً للكنيسة يُعلن خضوعه للآب كتكريم مُتبادل فيما بينهما، فالابن يكرم الآب، كما أن الآب يكرم الابن (يو20:5-23؛ عب6:1)..
 
 فخضُوع الاقنوم الثاني للأقنوم الأول ليس كمن هُو أقل منه، إنما إذ قبل أن يتجسد ويمُوت، ثم يقُوم كرأس وبكر الراقدين يخضع للآب باسم الكنيسة كُلها ولحسابها، وهذا لا يعني انفصال اللاهوت عن الناسوت..
 
ثانياً: الخضُوع لا يقلل من شأن الابن، لم يفقد الابن شيئاً عندما يمنح الكُل، كما أنه لم يفقد شيئاً عندما يتسلّم الآب المُلك، ولا الآب يفقد شيئاً عندما يُعطي ما له للابن، وخضُوع المسيح للآب ليس كخضُوعنا نحنُ للابن، فإن خضُوعنا هُو اعتماد عليه وليس اتحاد المتساويين، فالابن يُخضع الكُل للآب، ويفعل الآب للابن، واحد بعمله والآخر بمسرته..
 
ثالثاً: قيل هذا الخضُوع بسببنا، مادمنا في العالم لا نبلغ الكمال كما ينبغي، والقديسُون لا يتحقق فيهُم الكمال ماداموا في الجسد في العالم حتى متى حلت القيامة يشعر كُل واحد منهم أن الله هُو الكُل له، وإلا فماذا يصنع الذين يعتمدُون من أجل الأمُوات؟ إن كان الأمُوات لا يقُومُون البتة، فلماذا يعتمدُون من أجل الأمُوات؟ ولماذا نخاطر كُل ساعة؟!
 
العماد هُو صلب ومُوت ودفن مع المسيح (رو3:6-5)..
 
أن كلمة يعتمدُون تُشير إلى الشهداء، أي معمُودية دم..
 
جلبت الخطية المُوت إلى العالم، ونحنُ نعتمد برجاء أن أجسادنا الميتة ستقُوم في القيامة، فإن لم توجد قيامة يكُون عمادنا بلا معنى.
.
إني بافتخاركُم الذي لي في يسُوع المسيح رّبنا، أمُوت كُل يُوم، إن كُنت كإنسان قد حاربت وحُوشاً في أفسس، فما المنفعة لي؟ إن كان الأمُوات لا يقُومُون، فلنأكل ونشرب لأننا غداً نمُوت..
 
يفرح في آلامه لأنه يُجاهد أن يُقيم التعليم خلال أتعابه فهُو يجد لذة عندما يمُوت من أجل نفعهُم، ثم يقُول: إن كنت أتكلّم بكُوني إنساناً كسائر البشر، أو كنت قد حاربت بشراً أشبه بالوحُوش المفترسة..
 
 إذ تحدث فيما بعد عن المصاعب التي واجهته (2كو24:11)، ولم يُشر أنه ألقى ليصارع مع وحُوش، ولأنه يحمل الجنسية الرومانية..
 
لنأكل ونشرب لأننا غداً نمُوت، غداً نموت: أي يلاحقنا الموت قريباً دُون العودة إلى الحياة مادامت العقيدة الخاصة بالقيامة ليست حقاً، فإن لم تُوجد قيامة من الأمُوات فخير للإنسان عُوض احتماله الآلام من أجل الإيمان أن يأكل ويشرب قبل أن يمُوت، وإن كنا نمُوت كالحيُوانات ولا نقوم فلنسلك مثلهم، وغالباً ما كان الذين ينكرُون القيامة في الأصل من الصدوقيين إذ يقُولُون: لا قيامة، ولا ملائكة، ولا رُوح (أع8:23(