كمال زاخر
لم تأت اليقظة القبطية بشكل مفاجئ، لكنها بدأت على الأرض مع مطلع القرن العشرين، وكانت واحدة من تداعيات تأسيس وإنشاء المدارس النظامية والتي بدأت بالمدارس الأميرية التي انشأها الوالي محمد علي ثم مدارس الإرساليات الغربية ثم المدارس القبطية التي أنشأها البابا كيرلس الرابع والبابا كيرلس الخامس، بامتداد القرن التاسع عشر، إذ تخرج في هذه المدارس العديد من الشباب المصري والذين اكملوا مسيرتهم التعليمية في الجامعة المصرية (الجامعة الأهلية 1908م.)، وهم الذين حملوا شعلة التنوير في كافة المجالات،
 
وتصدروا المشهد السياسي، ومنهم شباب قبطي راعه ما صار إليه حال الأقباط، والكنيسة، فذهبوا يؤسسون الجمعيات الأهلية التي أخذت على عاتقها النهوض بالمجتمع المصري عامة والمجتمع القبطي بشكل خاص، كانت البداية بمبادرة من المجلس الملى الذي طرح فكرة إنشاء جمعية أهلية مهمتها النهوض بالتعليم القبطي والكنسي واسندوا هذه المهمة للأستاذ باسيلي بطرس المدرس بمدارس الأقباط الثانوية والذي ابتعثه المجلس الملي ألى كلية ليدز اللاهوتية بإنجلترا ليدرس نظم الجمعيات على نفقة المجلس الملى لمدة أربع سنوات  ، وعاد 1907 بعد أن حصل على الدبلوم بتفوق،.بعد‏ ‏عودته‏ يؤسس ‏جمعية"‏اصدقاء الكتاب‏ المقدس‏"، 1908، ويتولى رئاستها مرقس سميكة باشا، وينضم لعضويتها حبيب جرجس وابراهيم بك تكلاً، ويُختار باسيلى سكرتيراً عاماً لها.
 
لم تكن جمعية دينية حصراً بالمعنى المتداول اليوم، بل كانت جمعية مدنية (أهلية) تهتم بتكوين الشباب بشكل متكامل، فشرعت فى توفير منازل للطلبة المغتربين 1910، وابتكار ما نعرفه اليوم بالمؤتمرات الصيفية، عرفت بإسم "خيام الأصدقاء" 1912 للشباب والعائلات، تخصص لدراسة الكتاب المقدس والتأملات الروحية، تقام بضواحى القاهرة ـ وقتها ـ وعلى شاطئ النيل فى أماكن متفرقة تمتد من شبرا إلى المعادى.
 
ومنها تتولد "مؤتمرات الأصدقاء" 1915 وهى إجتماع سنوى يجمع كل فروع الجمعية  يعقد فى القاهرة أو فى إحدى عواصم المحافظات بالتتالى. 
 
وأسست الجمعية العديد من النوادى للشباب، يمارسون فيها هواياتهم الرياضية والفنية والأدبية والروحية، وكانت ترى أن رسالة النادى لا تقل عن رسالة الكنيسة بل وتتممها، ويتكامل معها، وأنشأت مصيفاً خاصاً بالأصدقاء. وتصدر الجمعية "مجلة الأصدقاء" لتكتمل المنظومة الثقافية لها.
 
وما هى إلا سنوات قليلة حتى يصبح شباب هذه الجمعية نجوماً على منابر الوعظ بالكنيسة، يملكون ناصية الشرح والتفسير، بلغة عربية رصينة، ووعى مسيحى متعمق، تبدأ معه الكنيسة فى استرداد وعيها، وتظهر معهم "خدمة القرى" والكشافة وخدمة الكورال، مبكراً.
 
كان الأستاذ حافظ داود (القمص مرقس داود فيما بعد) ابرز أعضاء الرعيل الأول لهذه الجمعية والذى تولى إدارتها بعد الرحيل المبكر لمؤسسها، وتقدم الجمعية للكنيسة جيلاً متميزاً من الخدام، منهم ابراهيم لوقا (القمص ابراهيم لوقا) المؤسس لكنائس وخدمة مصر الجديدة، والأراخنة الذين تركوا بصماتهم وأسسوا العديد من الجمعيات المدنية الأساتذة : عياد عياد، بانوب عبده، يسى عبد المسيح، شاكر خليل المعصرانى، حليم بشارة، يونان نخلة، بشارة بسطوروس، بطرس رزق الله، جيّد جندى الفيزى.
 
وقدمت الجمعية للكنيسة العديد من المطارنة والأساقفة والقمامصة والقسوس والرهبان والعلمانيون.
كانت جمعية الأصدقاء واحدة من طابور ممتد للجمعيات القبطية التى تعكس الدور العلمانى المبكر ـ بعيداً عن الصراعات ـ لإقالة الكنيسة من عثرتها، فى مناخ عام يشهد مداً مدنياً مؤثراً.
 
نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر؛ جمعية الإيمان التي اهتمت بجانب النشاط الوعظي بإنشاء سلسلة من المدارس حملت اسم مدارس الإيمان" شملت المراحل التعليم قبل الجامعي، وجمعية التوفيق والتي تأسست تحمل مهمة التوفيق بين البابا البطريرك وبين المجلس الملي، ومعها تأسست منظومة مدارس نظامية تحمل اسم مدارس التوفيق، وجمعية بيت مدارس الأحد التى تأسست لرعاية وتربية الأطفال اليتامى ووفرت لهم بيتا للإقامة الدائمة فيه، اضافة إلى انشاء مطبعة لطباعة الكتب العامة والكنسية وعنها صدرت مجلة "مدارس الأحد" والتي شهدت العديد من اطروحات التوعية والإصلاح الكنسي.
 
ثم جمعية المحبة والتى اهتمت بنشر الكتب التعليمية والطقسية وأسست بجوار عملها الأهلي الروحي والإجتماعي مكتبة المحبة، اعرق المكتبات التي تنشر هذه الكتب.