الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
النبيّ في الكتاب المقدّس هو الإنسان الذي يرى أبعد من اللحظة الحاضرة، يسمع أنين الكنيسة قبل أن يتحوّل إلى أزمة، ويفتح طريقًا حيث يكتفي كثيرون بإدارة الموجود. بهذا المعنى كان الأب منير قسيس كاهنًا ونبيًّا. رأى مبكرًا أنّ مستقبل الكنيسة يحتاج إلى تكوين العلمانيّين، فأسّس معهد التربية الدينية سنة ١٩٦٨. ورأى أنّ الكنيسة تحتاج إلى فكرٍ لاهوتيّ جادّ، فبذل عمره في التعليم والتكوين. ورأى أنّ الكاهن الذي أفنى حياته في الخدمة يستحق شيخوخةً كريمة، فأسّس دار الكهنة المسنين في المعادي بالقاهرة.

كان رجل رؤية، ورجل عمل، ورجل مستقبل. حمل أحلامًا أكبر من الإمكانات المتاحة، وسعى إليها بإيمان وصبر. زرع مؤسسات، وترك أشخاصًا، وفتح دروبًا لم تزل الكنيسة القبطيّة الكاثوليكيّة تسير فيها حتّى اليوم. لقد ظهرت قوّته الحقيقية في طريقة خدمته. فقد كان قريبًا من الكهنة، ومن العلمانيين، ومن الفقراء، ومن المرضى، ومن المتألّمين. عاش الأب منير قسّيس السلطة بوصفها خدمةً، والإدارة على أنّها مشاركةً، والتعليم بوصفه رسالةً، والكهنوت أبوّةً. أحبّ الكنيسة كلّها، وسعى إلى ما يبنيها. لم يحصر قلبه في حدود ضيّقة، بل اتّسع لكل من قابله. لذلك بقي في ذاكرة من عرفوه أبًا ومعلّمًا ومؤسّسًا وصديقًا، وقبل كل شيء إنسانًا يشعّ محبّة ووداعة. وحين جاء المرض، تحوّلت حياته نفسها إلى عظة. حمل الألم بصمت ورضى وثقة، فصار شاهدًا على إيمان لا يتكلّم كثيرًا، بل يسلّم ذاته لله في هدوء. الأب منير قسيس يذكّرنا بأنّ الكنيسة تحتاج إلى كهنة يحلمون، يكوّنون، يبنون، يسمعون، ويحبّون. تحتاج إلى رجال ونساء يميّزون علامات الأزمنة، ويمنحون حياتهم بصمت من أجل شعب الله.

رحم الله الأب منير قسّيس، الكاهن والنبيّ. وما أحوج الكنيسة اليوم إلى روحه في محبّته ورسالته وغيرته. ربّما نرى اليومَ الذي تعلن الكنيسة تطويبه لكي يكون مثالًا محلّيًّا على قداسة حقيقيّة ملموسة.

الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ