(إعداد وتعريب: د. أشرف ناجح إبراهيم عبد الملاك)
أستكمل هنا تعريبًا لتأمُّلاتٍ قد كَتبها الأبُ الكاثوليكيّ رومَانُو غُوارْدِيني (1885-1968)، أحدُ كبار الفلاسفة وعلماء اللاهوت الكاثوليك المعاصرين، رابطًا بين القيامة والإفخارستيا والأبديّة. فتتمحور بدورها حول "يوم الأحد"، يوم الربّ، ويوم القيامة، ويوم الإفخارستيا.

<<<[2]>>>

لقد طرحنا التساؤلَ عمّا إذا كان من الممكن التصريح بأنّ الله يستريح، وهو كلّيّ الحضور، وكلّيّ القُدرة، أبديّ، وغير قابل للتغيير. وبالكتاب المقدَّس في أيادينا، قد أجبنا بالإيجاب؛ إذ إنّ الله يقرّر أن يتصرّف، ويعمل، ويستريح. إنّه يدعم كلَّ شيءٍ، ويراقب كلَّ شيءٍ، ويتمتّع بملءِ الحرّيّة الشخصيّة. ونقول عنه بحقٍّ: إنّه يذهب، ويأتي، ويعمل. وانطلاقًا من الكتاب المقدَّس أيضًا، نعلم أنّه في يومٍ من الأيّام قد دعا إبراهيم إليه، وأبرم معه ميثاقَ العهد، وأكّده لنسله [من بعده]. وتَغلّب بأمانةٍ لا تُقهَر على السقطات المتجدّدة دائمًا؛ وهكذا، قد اختبر مرارًا وتكرارًا مصيرَ الكرم الذي يُخان. ويخبرنا الكتابُ المقدَّس كيف تجلّى الله في خصائصه الجوهريّة أيضًا: فقد أرسل الآبُ ابنَه الأزليّ إلى الأرض كالمِسيّا الموعود به طوال تاريخ العهد القديم؛ وقد حَرسه الروحُ القدس، حتّى يشعر الجميعُ بالحياة الجديدة. وأخيرًا، وفي ختام سُكنى ابن الله الأرضيّة بيننا، كيف اجتاحته أعاصير القرون [السابقة]، وقتلته. إنّ التتويج لهذا كلّه، أي انتصاره على الموت، والقيامة، هو الروح المُلهِم ليوم الأحد.

ولقد تساءلنا أيضًا فيما يكمن الزمن المقدَّس: [إنّه يكمن] في أنّ الله ذاته قد دَخل الزمن، وعاش، وتصرّف في الزمن؛ وفي الزمن [أيضًا]، قد أكمل ذبيحتَه. إنّ هذا كلّه يُلخَّص في يوم الفصح، وفي عودة عيد الفصح، على مدار العام بأسره، في بداية كلّ أسبوع.

لكنّ سرَّ الله بين البشر له تعبيرٌ آخر في الزمن: وبالتحديد في سرِّ القدّاس [الإلهيّ]. وقد تَكشَّف مصيرُ الله هذا في الزمن؛ ومع ذلك، لكونه عمل الله وسرّه، فقد انبثق من إرادة الله.

لقد انكشف مرّةً واحدة، كحدثٍ أرضيّ، وكان له حينها بدايته ونهايته. ومع ذلك، فهو في الواقع، وفي الوقت عينه، غير قابل للتغيير، في الأبديّة. فهناك يوجد المسيح بمصيره في حضرة الآب. وقبل موته، أراد أن تُذكَر ذبيحته المُحرِّرة [الفادية] باستمرارٍ؛ وفي العشاء الأخير، قَدّم لخواصه خبزَ جسده وخمرَ دمه، وقال: «إِصنَعوا هذا لِذِكْري» [لو 22: 19]. وهكذا، في كلّ مرّةٍ يتبع فيها خُدّامُ الله هذه الوصيّة، يتحقّق ما كان آنذاك: فالذكرى التي تُصنَع في القدّاس ليستْ مجرّد فعلٍ ذهنيّ وعاطفيّ، وإنّما تُجسِّد حقًّا ما تُصنَع ذكراه. فبفضلِ سرِّ الإفخارستيا، يعود المسيح الممجّد، الحاضرُ دائمًا في حضرة الآب السماويّ، في حدود الزمن من جديدٍ. وهذا الدخول [في الزمن] هو الساعة المقدَّسة، وحاضرٌ جديد وحقيقيّ. ليس بمعنى أنّ هنالك ساعةً في الزمن يُوجِّه فيها الإنسانُ فكرَه إلى عمل الله؛ بل إنّ الله ذاته يدخل في تلك الساعة بمصيره المُحرِّر [الفادي]. ومنه تنبض حياةً الساعةُ التي تُكرَّس هكذا خليقةً جديدة، حيث تدخل الأبديّةُ في الزمن، ويُرفع الزمنُ إلى الأبديّة.

[يُتبَع]