كمال زاخر
الإثنين 15 يونيو 2026
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[4] تيارات الإصلاح ... الأمل والقلق
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في هذا المناخ تتبلور ثلاثة تيارات رئيسية تحمل رؤى مختلفة للخروج بالكنيسة من حالة الجمود التي اصابتها وإعادتها إلى وضعها السوي، كان كل تيار له مبرراته ورؤيته وفق تكوينه الفكري وخبراته وطموحاته، كان التيار الأول مدارس الأحد وتبنيها مسارات النهوض بالتعليم، وقد تفاعلت مع تلك الجمعيات وشاركت في تأسيس بعضها، وكانت تحظى بدعم البابا كيرلس الخامس وكان هذا أهم عوامل انتشارها، وإن لم تجد هذا الدعم من غالبية الإكليروس وقتها وإلى زمن قريب نسبياً، وقد حملت مجلة مدارس الأحد عديد من المقالات التي تكشف عن غياب دعم الإكليروس لها. وسعت مدارس الأحد للدفع بمؤسسها ـ حبيب جرجس ـ للرسامة أسقفاً على ايبارشية الجيزة بعد رحيل مطرانها، وكانت مجلة مدارس الأحد وقتها توالي نشر مقالات تحمل الأسانيد التاريخية والقانونية الكنسية التي تدعم أحقيته في الرسامة، لكن سعيها قوبل بالرفض من مجمع الكنيسة المقدس.
جاء التيار الثاني ويمثله "جماعة الأمة القبطية" محملاً برؤية مزدوجة، دينية سياسية، ترى أن الإصلاح يجب أن يكون بالثورة على ما هو قائم، وبشكل من الأشكال وجدت تعاطفاً من قيادات ضباط يوليو، أو للدقة من أحد اجنحة القيادة، فكان أن اقتحمت المقر البابوي عشية الإحتفال بالعيد الأول للثورة، وأجبرت البابا يوساب على توقيع وثيقة تنازل عن الكرسي البابوي، واقتادوه إلى أحد أديرة الراهبات بمصر القديمة، للإقامة فيه، لكن مسعاهم لم يكتمل إذ سرعان ما انتفضت الدولة لتلقي القبض عليهم وتعيد البابا البطريرك إلى مقره. والذى توسط لدى الدولة للإفراج عنهم، واستجابت له، إلا انها عادت وقبضت عليهم وقدمتهم للمحاكمة بسبب المذكرة التي تقدموا بها للجنة اعداد الدستور والتي أثنى عليها الفقيه الدستوري ورئيس اللجنة عبد الرزاق السنهوري لما تضمته من نصوص تحقق مواطنة الأقباط. (التفاصيل ونص المذكرة تجدها في كتاب العلمانيون والكنيسة ـ كمال زاخر 2009).
كان التيار الثالث نفر من الشباب الجامعي رأوا أن البداية الصحيحة تبدأ من الأديرة، ذلك أن قيادات الإكليروس تخرج منها، فيكون ضبط الأديرة هو السبيل لتوفير كوادر قادرة على خدمة الكنيسة، وتعددت توجهاتهم بين من ذهب للرهبنة طلباً لذاتها، كنسق حياة يرونه طريقاً لحياة روحية أعمق، تأسياً بمؤسسي الرهبنة وقديسيها، فيما رأها بعضهم ـ بجوار البعد الروحي ـ الطريق الأوحد للوصول إلى قيادة الكنيسة والتي تملك وحدها تأسيس طريق الإصلاح وفق نظام الكنيسة الهيراركي، وإيمانهم "إن ابتغى أحد الأسقفية، فيشتهي عملاً صالحً" بحسب توصيف القديس بولس الرسول في رسالته الأولى لتلميذه تيموثاوس. وهو توجه شكله إخفاق تجربتي جماعة الأمة القبطية وجماعة مدارس الأحد في المشاركة في تدبير الكنيسة.
على أن تياراً موازيا لتيار الرهبنة اختار التكريس والخدمة وسط الناس طريقاً، ويرون أن التفرغ لخدمة الكنيسة خاصة في دوائر التعليم والتواصل المعرفي مع آباء الكنيسة الأولى، وهم باقون داخل المجتمع، يناسب قدراتهم ويملك التواصل الفاعل مع الشباب والأجيال الواعدة، لتحقيق غاية الخدمة وتأهيلهم للسير في طريق التلاقي والوحدة الكنسية.والتواصل المعرفي مع آباء الكنيسة الأولى، وهم باقون داخل المجتمع، يناسب قدراتهم ويملك التواصل الفاعل مع الشباب والأجيال الواعدة، لتحقيق غاية الخدمة وتأهيلهم للسير في طريق التلاقي والوحدة الكنسية.
والتوجهات الأربعة كان يحركها غيرة ايجابية على الكنيسة وتطلعات جادة لإصلاحها وإعادة تواصلها مع جذورها التاريخية والآبائية، بقدر ما توفر لديهم من معارف وخبرات. كان فرسان التيارات الأربعة نظير جيد (البابا شنودة فيما بعد)، الدكتور يوسف اسكندر (الأب متى المسكين)، الدكتور ابراهيم فهمي هلال المحامي، الدكتور نصجي عبد الشهيد.
هؤلاء، المؤسسون والتيارات التي تشكلت بعدهم، وغيرهم من الرواد هم اصحاب الفضل في سعي خروج الكنيسة من نفق طال وقد كافحوا بصلابة وتحدوا المناخات المناوئة خارج الكنيسة وداخلها، وأسسوا لمن أكمل طريق الخروج والتواصل الجيلي، وهم الذين تعبوا في تمهيد الطرق الوعرة.
على أن ثمة ملاحظات نستقرأها من مسارات تلك التيارات، أن قوامها شباب يبحث عن طريق لإقالة الكنيسة من عثرتها، والخروج بها من نفق طال، وأنها اعتمدت على رؤى ذاتية يحركها الحماس العاطفي كل بحسب خلفيات التكوين، وأنها كانت تفتقر ـ على الأقل في بداياتها ـ للمرجعية اللاهوتية ـ بفعل المناخ السائد، وقتها، والذى كان يعاني من تداعيات الانقطاعات المعرفية، وكان المتاح ما انتجته الكنائس والطوائف الأخرى والوافدة لنا من لبنان، وبعض من كتابات قبطية تنازع قلة الامكانات ومحدودية الانتشار.
انعكس هذا بالضرورة على مناهج ومسارات تلك التيارات، متدرجة من العنف المادي ـ والذي لم يجد قبولاً على الأرض، فلم يستمر ـ إلى جوار الإشتباك الفكري بطرق متعددة بين المقالات النارية التى تنتقد الواقع المتراجع وبين محاولات التنقيب عن كتابات الكنيسة الأولى وتعريبها من لغاتها الأصلية أو من ترجمات بلغات وسيطة، والبناء عليها، وبين هذه وتلك تشكلت ملامح الخلافات الفكرية بين تلك التيارات.
ربما تحمل سطورنا القادمة محاولة للاقتراب من مرحلة ما بعد الانطلاق، للبحث عن تفسير لتحول الأمل إلى قلق، وصل في بعضه لى الاحتراب وربما القطيعة.





