د. ماجد عزت إسرائيل
أزمة إيبارشية سيدني وتوابعها ليست أزمة عابرة، وليست مجرد خلاف شخصي أو موجة غضب مؤقتة، بل هي ملف كنسي ممتد ومعقد، تداخلت فيه أبعاد رعوية وإدارية ومالية وروحية، وتكررت حوله الشكاوى والتساؤلات عبر سنوات طويلة، حتى صار من الضروري التعامل معه بحكمة كنسية واضحة، تحفظ سلام الشعب، وكرامة الكهنوت، وهيبة الأسقفية، ومقام البطريرك. فتعود جذور الأزمة إلى سنوات سابقة، حين طُرحت شكاوى وملاحظات تتعلق بإدارة الإيبارشية، واتخذت الكنيسة في عهد مثلث الرحمات قداسة البابا شنودة الثالث(1971-2012م) إجراءات تأديبية وإدارية، ثم عادت القضية للظهور من جديد بعد سنوات، ومعها مطالبات من بعض أبناء الإيبارشية بمراجعة أوضاع الخدمة والإدارة والمال والعلاقة بين الأسقف والشعب.
ومع تجدد الأزمة، لم تقف الكنيسة مكتوفة الأيدي، بل تعاملت معها من خلال آلياتها الكنسية. فقد شُكلت لجان ووفود بابوية، وجرى الاستماع إلى أطراف متعددة، وطُرحت تقارير ومراجعات، كما كُلفت قيادات كنسية بمتابعة الملف، ومن بينها الإشراف البابوي والإداري على الإيبارشية، والسعي إلى إصلاحات تخص الإدارة والحوكمة واللجان والممتلكات.وهذا يعني أن أزمة سيدني لم تكن يومًا خارج نظر الكنيسة، ولا خارج اهتمام صاحب القداسة البابا تواضروس الثاني، ولا خارج دوائر المجمع المقدس. لكن طبيعة الكنيسة لا تقوم على الصخب، ولا على القرارات الانفعالية، ولا على ضغط المظاهرات، بل على الفحص والتدقيق والاستماع والحفاظ على وحدة الجسد الكنسي.
نعم، من حق الشعب أن يطلب الوضوح. ومن حق أبناء الإيبارشية أن يطمئنوا على كنيستهم وأموالها وخدمتها واستقرارها. ومن حق كل متضرر أن يرفع صوته بطريقة محترمة ومسؤولة. ولكن ليس من حق أحد أن يحول الأزمة إلى إساءة للكنيسة كلها، أو إلى تشهير مفتوح، أو إلى مشهد صدامي أمام السفارات، أو إلى مادة للترندات والمنصات التي تبحث عن المشاهدات أكثر مما تبحث عن سلام الكنيسة. فالمشكلة الحقيقية في سيدني ليست فقط في شخص أو قرار، بل في طريقة إدارة الأزمة، وفي غياب الثقة بين قطاعات من الشعب وبعض القيادات، وفي تراكم الملفات دون حسم معلن ومفهوم، وفي تحول الغضب الشعبي إلى لغة قاسية قد تضر بالقضية نفسها قبل أن تخدمها. أما الحل، فلا يكون بالشعارات وحدها، ولا بالتجريح، ولا بالهجوم على قداسة البابا، بل من خلال مسار كنسي واضح ومسؤول، يقوم على تشكيل لجنة مجمعية مختصة، والاستماع الهادئ إلى الشعب والكهنة والأراخنة، وفحص الملفات المالية والإدارية والرعوية، ثم إعلان ما يمكن إعلانه من نتائج وقرارات بما يطمئن الشعب ويحفظ كرامة الجميع.
وإذا ثبت وجود خلل، فالمحاسبة واجبة. وإذا ثبت وجود سوء إدارة، فالإصلاح واجب. وإذا احتاجت الإيبارشية إلى ترتيب رعوي جديد، فليكن ذلك بقرار كنسي مسؤول من المجمع المقدس، لا بضغط الشارع، ولا بمنطق التشهير، ولا بإهانة الرموز. فقداسة البابا تواضروس الثاني هو أب الكنيسة وبطريركها، وليس من اللياقة أن يُقحم اسمه في كل أزمة وكأنه وحده المسؤول عن كل تفصيل. فالكنيسة لها مجمع مقدس، ولها لجان، ولها مطارنة وأساقفة مكلفون بملفات الأزمات، ولها نظام كنسي ينبغي أن يُحترم حتى ونحن نطالب بالإصلاح.
رفقًا بالبطريرك.
ورفقًا بالكنيسة.
ورفقًا بشعب سيدني نفسه.
لنطرح المشكلة بوضوح، نعم. ولنطالب بحل عادل، نعم.ولنحفظ حق الشعب، نعم. ولكن دون أن نهدم هيبة الكنيسة، ودون أن نسيء إلى مقام البابا، ودون أن نترك الأزمة تتحول إلى ساحة صراع مفتوح يفرح بها المتربصون. فأزمة سيدني تحتاج إلى قرار كنسي حكيم، شفاف بقدر ما تسمح به طبيعة الملفات، وحاسم بقدر ما تفرضه مصلحة الشعب، وهادئ بقدر ما تفرضه روح الكنيسة.فالكنيسة القبطية لا تُبنى بالصراخ، بل بالحق والمحبة والنظام.





