(د. أشرف ناجح إبراهيم عبد الملاك)
ثانيًا: عرضٌ وَجيز لبضعة مؤلَّفاتٍ للأنبا كيرلس الثاني مقار (1)
لقد رحل عن عالَمنا مثلّثُ الرحمات غبطة البطريرك الأنبا كيرلس الثاني مقار (1867-1921)، أوّل بطريرك للكنيسة القبطيّة الكاثوليكيّة في العصر الحديث، في الثامن عشر من شهر مايو/أيّار لعام 1921.
وقد نَشرتُ، في حلقاتٍ سابقة، محتوى المقالة التي نَشرتُها سابقًا في مجلّة "صديق الكاهن"، السنة الحادية والستون، العدد الرابع (أكتوبر/تشرين الأوّل) لعام 2021، ص 35-39، بمناسبة المئويّة الأولى لنياحة غبطته. ولذا، فقد جاء عنوانُ هذه المقالة هكذا: «المئويّةُ الأولى لنياحة أوّل بطريرك للكنيسة القبطيّة الكاثوليكيّة: حياته وأعماله ومؤلَّفاته».
وأمّا في هذه الحلقة وحلقاتٍ أخرى لاحقة – بمعونةِ العناية الإلهيّة، سأعرض لمحةً عن فكره الذي تركه لنا في مؤلَّفاته الثرية، المكتوبة باللغات العربيّة والفرنسيّة واللاتينيّة.
1. «ألوهيّةُ الرجل الإسرائيليّ المصلوب» [1]
لقد سَطّر الأنبا كيرلس الثاني مقار مؤلَّفًا بعنوان: «ألوهيّةُ الرجل الإسرائيليّ المصلوب». وقد نَشرته جريدةُ "الأحوال" بمدينة بيروت اللبنانيّة، في يوم "الجمعة العظيمة" الموافق الـ14 من أبريل/نيسان لعام 1911. ثمّ بعد ذلك، قد خَرج هذا المؤلَّفُ إلى النور، مرّةً أخرى، في هيئة كُتيّبٍ، في يوم "الجمعة العظيمة" الموافق الـ14 من أبريل/نيسان أيضًا لعام 1922، أي بعد نياحة غبطته بعامٍ تقريبًا.
يتمحور هذا المؤلَّفُ القصير حول الردِّ عن هذا السؤال المدهش والغريب لأوّل وَهلةٍ، الذي طَرحه أحدُ الأشخاص ("نائبُ آيدين") في "مقالته المشؤومة": «كيف النصارى يقولون بألوهيّة رجلٍ إسرائيليّ قُضى عليه بالموت صلبًا؟». وقد جاء توقيتُ ردِّ الأنبا كيرلس الثاني مقار موافقًا ليوم "الجمعة العظيمة"؛ «هذا اليوم العظيم الذي يُقيم فيه المسيحيّون تذكارَ آلام هذا الرجل الإسرائيليّ [يسوع المسيح]، الذي يسخر منه عبيدُ الله، وتذكارَ موته على خشبة الصليب».
إنّ الردَّ عن هذا السؤال لضروريٌّ للغاية، ولا سيّما في إطار الدفاع عن الإيمان المسيحيّ؛ إذ إنّ «الاعتراف بألوهيّة هذا الرجل اليهوديّ الذي مات صلبًا [...] تُشيّد عليه صرح الدين النصرانيّ، الذي ثبت هذا الثبوت المتين وانتشر هذا الانتشار المبين».
ولا يكمن منهجُ الأنبا كيرلس الثاني مقار، في الردِّ عن هذا السؤال المهمّ، في "شهادة العقل"؛ فوفقًا لقناعته الراسخة: «إنّ فَهْمَ الخليقة محدودٌ؛ بل نستند إلى ما هو أعظم من العقل والمخلوقات: إلى شهادة الحقّ سبحانه وتعالى كيف ومتّى شهد الخالقُ العظيم على ألوهيّة الرجل الإسرائيلي؟».
أمّا للردِّ عن هذا السؤال، فتوجد «ثلاثةُ أجوبة أو جوابٌ ينقسم إلى ثلاثة أقسام: الشهادة السابقة لمجيء الرجل والشهادة له في مدّة حياته على الأرض والشهادة اللاحقة لموته.
شَهد الله جلّت قدرته على ألوهيّة المسيح قبل بعثته إذ أوحى بها الى أنبيائه الذين تنبّأوا عن حياته بكلّ أطوارها، وعن آلامه وأسبابها وظروفها ونتائجها. وقد شهد تعالى بهذه النبوءات شهادةً صريحة، فقال إنّ هذا الرجل إنّما هو ابنه المولود من عنصره منذ الأزل، وإنّه إلهٌ قويّ، إلهٌ عظيم، قدّوس إسرائيل. وفي مدّة حياته شَهد له على ألوهيّته، إذ صَرّح عنه قائلًا: "هذا هو ابني الحبيب له اسمعوا".
وقد اجترح به المعجزات بأنواعها، حتّى إنهاض الموتى؛ وما ذلك إلّا ليبرهن عن ألوهيّته. وبعد موته شَهد على ألوهيّته، إذ خَتم بأُصبعه ختمًا لا تمحوه الأجيال، على الديانة التي أسّسها هذا اليهوديّ المصلوب.
وهي ديانةٌ أُسُّها ودعامتها ألوهيّةُ اليهوديّ المصلوب عينه. فهذه الشهادةُ الإلهيّة المثلّثة الأطوار التي شَهد بها الربُّ القدير، قد ملأ صوته بها العصور الخالية؛ وهذا الصوتُ الإلهيّ عينه يملأ الأجيال الآتية إلى منتهى الدهور».
[يُتبَع]





