محرر الأقباط متحدون
حذّر قادة وممثلو الجماعات المسيحية في الأرض المقدسة من أن الوجود المسيحي التاريخي في المنطقة يواجه تحديات متزايدة تهدد استمراره، مؤكدين أن التراجع الديموغرافي الذي استمر لعقود تحول في السنوات الأخيرة إلى أزمة أكثر حدة بفعل العنف والضغوط الاقتصادية والاجتماعية وتنامي الشعور بعدم الأمان.

وجاءت هذه التحذيرات خلال لقاء جمع ممثلين عن مختلف الكنائس والجماعات المسيحية، حيث شددوا على أن استمرار الأوضاع الحالية قد يؤدي إلى اختفاء بعض أقدم الجماعات المسيحية في العالم من الأماكن التي شهدت نشأة المسيحية. وقال وديع أبو نصار، منسق منتدى مسيحيي الأرض المقدسة: "نشعر أننا أيتام"، معبرًا عن القلق المتزايد داخل الأوساط المسيحية المحلية.

وتشير تقارير حديثة إلى ارتفاع مقلق في الاعتداءات الموجهة ضد المسيحيين. فبحسب مركز روسينغ للتعليم والحوار، تم توثيق 155 حادثة خلال عام 2025، شملت اعتداءات جسدية وأعمال تخريب واستهدافًا للممتلكات الكنسية ومضايقات لفظية. كما أظهرت بيانات عام 2026 تسجيل أكثر من 88 حادثة خلال الأشهر الأولى فقط من العام، ما ينذر بزيادة ملحوظة في وتيرة الانتهاكات.

وتتنوع هذه الحوادث بين الاعتداءات اللفظية والجسدية والبصق على رجال الدين والراهبات، وتخريب المواقع المسيحية والقبور والرموز الدينية، خاصة في البلدة القديمة بالقدس وجبل صهيون والمناطق المحيطة بالبطريركية الأرمنية.

ويؤكد مسؤولون ومحامون يعملون مع المجتمعات المتضررة أن جزءًا من المشكلة يتمثل في ضعف الاستجابة الرسمية لبعض الشكاوى، الأمر الذي يدفع عددًا من الضحايا إلى الامتناع عن الإبلاغ عن الحوادث لاعتقادهم بعدم جدوى الإجراءات القانونية.

وفي المقابل، يشير باحثون إلى أن هذه الممارسات لا تعكس مواقف المجتمع الإسرائيلي بأكمله، لافتين إلى وجود مبادرات متزايدة يقودها أكاديميون ومتطوعون ونشطاء يهود لتوثيق الانتهاكات وتقديم الدعم للضحايا ومرافقتهم قانونيًا وإنسانيًا.

ولا تقتصر التحديات على مدينة القدس، إذ تشهد بلدة الطيبة في الضفة الغربية، وهي آخر بلدة فلسطينية ذات غالبية مسيحية كاملة، أوضاعًا صعبة نتيجة الضغوط الاقتصادية والاعتداءات التي تطال الأراضي الزراعية ومصادر الرزق. وأكد الأب بشار فواضلة، كاهن الرعية اللاتينية في البلدة، أن عددًا من العائلات اضطر إلى مغادرة المنطقة بعد فقدان الأمل في مستقبل مستقر.

ويكتسب هذا الواقع أهمية خاصة في ظل التراجع المستمر لنسبة المسيحيين في المراكز التاريخية للمسيحية. ففي القدس الشرقية انخفضت نسبتهم من نحو 50% من السكان إلى قرابة 2% فقط، بينما تراجعت نسبتهم في بيت لحم من حوالي 80% إلى نحو 10% خلال العقود الأخيرة.

ويرى قادة الكنائس أن القضية لم تعد تقتصر على حرية العبادة فحسب، بل تتعلق بالحفاظ على الوجود المسيحي التاريخي والتراث الثقافي والديني المتجذر في الأرض المقدسة منذ بدايات المسيحية.

وأكدت القيادات المسيحية أن ضمان مستقبل هذه الجماعات يتطلب توفير بيئة آمنة ومستقرة، تقوم على المساواة أمام القانون والحماية الفاعلة والفرص الاقتصادية، بما يتيح للعائلات البقاء في أرضها والحفاظ على إرثها التاريخي والديني للأجيال المقبلة.