✍️ بِقَلَمِ: الأَبُ أَغُسْطِينُوسُ بِالْمِيلَادِ مِيلَادُ سَامِي مِيخَائِيل بُطْرُس طُوس
دعوة إنجيلية إلى المحبة ونبذ الانقسام في عالم معاصر (متشظي)
مقدمة:
في زمن كثرت فيه الأصوات المتصارعة، وتشعبت فيه الطرق والمذاهب والأفكار، وصار الإنسان فيه أكثر ميلا إلى الانقسام منه إلى اللقاء، وأكثر استعدادا للخصام منه إلى المحبة، تبدو الحاجة اليوم ملحة إلى استعادة روح الشركة والوحدة التي أرادها الله منذ البدء للبشرية كلها، بدلا من النفوس المتشظية: المريضة والمُتشقِّقة، أو المتطايرة، أو المتفرِّقة...
فالله لم يخلق الإنسان ليعيش غريبا عن أخيه الإنسان، ولا ليبني حول ذاته أسوار التعصب والانغلاق، بل خلقه كائنا محبا، قادرا على اللقاء والعطاء والشركة، لأن أصل الإنسان هو الله، والله محبة ووحدة وشركة أزلية بين الآب والابن والروح القدس.
إن الكنيسة، عبر تاريخها الطويل، لم تكن مجرد مؤسسة دينية، بل كانت وما تزال بيتا جامعا لكل إنسان، ومائدة يلتقي عندها المختلفون ليتحدوا في المسيح الواحد، الذي كسر حواجز العداوة، وجعل الجميع إخوة وأبناء لله. لذلك فإن أعظم ما يجرح قلب المسيح اليوم ليس اختلاف الطقوس أو تنوع التقاليد، بل انطفاء روح المحبة، وتحول الاختلاف إلى خصام، والتنوع إلى انقسام، والشهادة إلى نزاع وصراع.
لقد صار العالم المعاصر، بكل ما يحمله من تقدم علمي وتكنولوجي، في أمس الحاجة إلى إنسان يعرف كيف يحب، وكيف يقبل الآخر، وكيف يرى في التنوع غنى لا تهديدا، وتكاملا لا تناقضا. فالاختلاف الحقيقي لا يعني العداء، بل يكشف جمال التنوع الذي يغني الكنيسة ويمنحها بعدا إنسانيا وروحيا أعمق، لأن الجسد الواحد يحتاج إلى أعضاء كثيرة ومتنوعة لكي يحيا وينمو ويثمر.
الموضوع: الوحدة المسيحية والشركة الإنسانية
دعوة إنجيلية إلى المحبة ونبذ الانقسام في عالمنا المعاصر
نحن اليوم، في عالمنا الحاضر والمعاصر، أحوج ما نكون إلى الوحدة والشركة والتضامن، بدل الفرقة والانقسامات التي أنهكت الإنسان وجرحت الكنيسة وأضعفت شهادة الإيمان أمام العالم. إن البشرية لا تبنى بالكراهية، ولا تستمر بالتعصب، بل بالمحبة التي تجمع، وبالرحمة التي تشفي، وبالنعمة التي تجعل الإنسان أخا لأخيه الإنسان.
فالرب يسوع المسيح، قبل آلامه، رفع صلاته إلى الآب قائلا: "ليكون الجميع واحدا كما أنك أنت أيها الآب في وأنا فيك ليكونوا هم أيضا واحدا فينا ليؤمن العالم أنك أرسلتني"(1). هذه الصلاة لم تكن مجرد أمنية عابرة، بل كانت وصية إلهية ورسالة خالدة تدعو الكنيسة كلها إلى الوحدة والمحبة والشركة.
إن ما يجمعنا اليوم أكثر بكثير مما يفرقنا. فجميعنا نؤمن بالكتاب المقدس، كلمة الله الحية والفاعلة، الموحى بها لتعليمنا وتقديسنا وخلاصنا (2). ونؤمن بإله واحد مثلث الأقانيم: الآب والابن والروح القدس، الإله الواحد الذي أعلن ذاته للبشرية محبة وخلاصا وفداء. ونؤمن بتجسد كلمة الله، وبأن المسيح "ظهر في الجسد"(3)، وجال يصنع خيرا ويشفي المتسلط عليهم إبليس (4)، حاملا للإنسانية نور الرحمة والرجاء والخلاص.
كما نؤمن بآلام الرب يسوع المسيح وموته وقيامته المجيدة وصعوده إلى السماوات وجلوسه عن يمين الآب شفيعا فينا (5)، ونؤمن أيضا بأنه سيأتي في مجده ليدين الأحياء والأموات (6)، وأن القيامة والدينونة هما رجاء الكنيسة وعزاء المؤمنين، ولذلك نكرم القديسين الذين أكملوا جهادهم في الإيمان وصاروا شهودا أحياء لعمل النعمة الإلهية في الإنسان.
ونحن نكرم أمنا القديسة مريم العذراء، الممتلئة نعمة، التي اختارها الله لتكون والدة الكلمة المتجسد، كما نكرم الملائكة والقديسين الذين صاروا أيقونات حية للمحبة والطهارة والشهادة للمسيح.
كذلك تؤمن الكنيسة بالأسرار المقدسة التي بها يعمل الله في حياة الإنسان ويقدسه ويجدد قلبه، وعلى رأسها المعمودية التي بها نولد ولادة جديدة، والإفخارستيا التي توحدنا بجسد المسيح ودمه، والتوبة التي تعيد الإنسان إلى حضن الآب، والزواج الذي يقدس الحب الإنساني، ومسحة المرضى التي تمنح التعزية والشفاء، والكهنوت الذي يحمل خدمة الرعاية والتعليم، إضافة إلى الصلاة والتأمل والتسبيح وأعمال الرحمة والخدمة ومحبة الفقراء والمحتاجين.
لقد قال القديس أغسطينوس: "في الأمور الجوهرية وحدة، وفي غير الجوهرية حرية، وفي كل شيء محبة"(7). وهذه العبارة تختصر جوهر الحياة المسيحية الحقيقية، لأن الكنيسة لا تقوم على التشابه الكامل في كل التفاصيل، بل على الاتحاد في الإيمان والمحبة.
كما أكد القديس يوحنا الذهبي الفم أن الكنيسة تشبه القيثارة، تختلف أوتارها لكنها تعطي لحنا واحدا متناغما (😎. فالتنوع ليس خطرا على الكنيسة، بل يصبح خطرا فقط حين يغيب التواضع وتموت المحبة ويتحول الإنسان إلى قاض يدين الآخرين بدل أن يكون أخا يحمل ضعفاتهم ويصلي لأجلهم.
وقد أكدت المجامع الكنسية عبر العصور أهمية الوحدة الكنسية والشركة بين المؤمنين، فمجمع نيقية أعلن الإيمان "بكنيسة واحدة مقدسة جامعة رسولية"(9)، لأن الكنيسة في جوهرها ليست كنائس متصارعة، بل جسد المسيح الواحد، الذي دعا الجميع إلى أن يكونوا أبناء للسلام وصانعي محبة.
لكن المؤلم في عصرنا الحاضر هو ظهور أصوات متعصبة تبث الكراهية والانقسام عبر الكلمات أو الكتابات أو وسائل التواصل المختلفة، فيدفعون الناس إلى الخصام بدل اللقاء، وإلى الإدانة بدل المحبة، وإلى تمزيق الجسد الواحد بدل بنائه. وهؤلاء ينسون أن المسيح لم يؤسس كنيسة للكراهية، بل كنيسة للمصالحة والغفران، وأن أعظم شهادة للمسيحية ليست كثرة الجدل، بل عمق المحبة.
فالكنيسة التي لا تعرف كيف تحب، تفقد رسالتها. والمؤمن الذي يزرع الانقسام يجرح قلب المسيح دون أن يشعر. لأن الرب لم يدعنا لكي نكون جماعات متناحرة، بل إخوة يجلسون معا حول مائدة واحدة، يصلون لإله واحد، ويرجون خلاصا واحدا، ويحملون رسالة واحدة إلى العالم كله.
إن العالم اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الصراعات الدينية والطائفية، بل يحتاج إلى إنسان يشبه المسيح في وداعة قلبه، واتساع محبته، ورحمته تجاه الجميع. يحتاج إلى مؤمن يبني لا يهدم، ويجمع لا يفرق، ويغفر لا يدين.
خاتمة:
إن الوحدة الحقيقية لا تعني إلغاء الاختلاف، بل تقديسه بالمحبة. ولا تعني ذوبان الهويات، بل التقاء القلوب في المسيح الواحد. فكلما اقترب الإنسان من الله، اقترب أكثر من أخيه الإنسان، لأن الله لا يقود إلى الانقسام بل إلى السلام.
فلنصل جميعا لكي يمنح الله لكنيسته روح الحكمة والمحبة والاتضاع، ولكي يطفئ نار التعصب والكراهية، ويعيد إلى القلوب نور الإنجيل الحقيقي، حتى نصير جميعا شهودا للمحبة الإلهية في عالم متعب وجريح.
وكما قال الرسول بولس: "مجتهدين أن تحفظوا وحدانية الروح برباط السلام. جسد واحد وروح واحد كما دعيتم أيضا في رجاء دعوتكم الواحد"(10).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش والمراجع
(1) إنجيل يوحنا 17: 21.
(2) الرسالة الثانية إلى تيموثاوس 3: 16.
(3) الرسالة الأولى إلى تيموثاوس 3: 16.
(4) سفر أعمال الرسل 10: 38.
(5) الرسالة إلى العبرانيين 1: 3.
(6) إنجيل متى 25: 31-32.
(7) القديس أغسطينوس، العظات الروحية، ترجمة الآباء اليسوعيين، دار المشرق، لبنان، بيروت، 1998، ص 214.
(😎 القديس يوحنا الذهبي الفم، تفسير الرسالة إلى أهل كورنثوس، ترجمة دير القديس أنبا مقار، مصر، وادي النطرون، 2003، ص 87.
(9) قانون الإيمان النيقاوي القسطنطيني، مجمع نيقية المسكوني الأول سنة 325م.
(10) الرسالة إلى أهل أفسس 4: 3-4.
✍️ بِقَلَمِ: الأَبُ أَغُسْطِينُوسُ بِالْمِيلَادِ مِيلَادُ سَامِي مِيخَائِيل بُطْرُس طُوس





