أكرم ألفي
عندما يشاهد شاب مصري فيلم "أم العروسة" ورحلة بحث الأب حسين (عماد حمدي) لتسوية معاشه لتزويج ابنته الكبرى وتفاصيل عائلة الطبقة الوسطى القائمة على عمل الأب الثابت وانتظاره العلاوة السنوية، فإنه يشاهد فيلماً تاريخياً اجتماعياً وربما تتعامل معه الأجيال الاصغر معه باعتباره خيالاً اجتماعياً وليس فيلماً واقعياً كمان كان في 1963.

63 عاماً مرت على طرح فيلم "أم العروسة" في السينما المصرية جرت فيها مياه كثيرة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية بالمحروسة والعالم، حيث أصبح مشهد الموظف أبن الطبقة الوسطى الذي يعتمد على الدخل الثابت بمثابة "حلم ليلة صيف" فيما هب طوفان "العمل المؤقت" ليسيطر على التوظيف في مصر والعالم ويتوارى معه فكرة "الثابت الوظيفي".

هيمنة العمل المؤقت لم يكن تعبيراً عن رياح اقتصادية جديدة هبت على العالم مع أنهيار نموذج دولة الرفاهة وصعود النخب الاقتصادية الجديدة التي وصفها الاقتصادي اليوناني الشهير يانيس فاروفاكيس بـ"الإقطاع التكنولوجي" بل كان أيضاً "شمشون" اجتماعي اسقط بضربة واحدة المعبد القديم على الجميع. فقد فتحت هيمنة العمل المؤقت الهويس لأوضاع اجتماعية مغايرة تماماً يسعى البعض إلى قتالها على طريقة دون كيشوت.

في حوار مع صديق عن الأبناء الذين نجح في تعليمهم وتخريجهم من أكبر الجامعات االمصرية كان الحوار عن جيل مغاير تماماً لا يرى تكوين الأسرة أولوية بل التحقق الذاتي، جيل يدرك أن أمامه ماراثون طويل يبدأ مع التخرج من الجامعة وليس مثل أجيال سابقة يعتبر التخرج بداية للاستقرار والحصول على وظيفة ثابتة.

 جيل جديد من شباب الطبقة الوسطى أكثر طموحاً وأكثر ميلاً للتعلم اليومي وتطوير مهاراته لمواصلة رحلته العملية التي تعتمد على التطور اليومي وليس الثبات فهو جيل يسير في حياته العملية على قاعدة هيجل الفلسفية أن "الثابت الوحيد هو المتغير".

هذا التحول يدفع إلى تحولات اجتماعية صادمة للبعض يسعى قسم منه إلى انكارها والصراخ بصوت عالي عن "المؤامرة العالمية"، فيما يسعى البعض إلى اعتبارها مجرد عارض وليس دائم فيما الواقع أننا أمام مجتمع انفصل تماماً عن ماضي فيلم "أم العروسة".. فقد رحل الأبطال والمخرج وخرجوا من المسرح ليصعد أبطال جدد في سيناريو جديد.

سيناريو يقوم على مجتمع يسعى أفراده للتحقق قبل تأسيس الأسرة، فالأسرة هي التالي بعد الإنجاز. مجتمع شبابه أكثر طموحاً وأكثر شعوراً بعدم الاستقرار ولكنهم أكثر قتالية للاحتفاظ بالوظائف أو الانتقال لوظيفة جديدة. هنا التفاعلات الاجتماعية والبحث عن أشكال اجتماعية جديدة للترابط تتواصل فيما أفكار كثيرة قديمة ستتوارى.. وكما كتبت "أسفار جلجامش" فإن "أنكيدو هو الذي سيموت ولكن جلجامش فلن يموت". 

في حديث قصير مع "شات جي بي تي" عن تأثير هيمنة العمل المؤقت على العلاقات الاجتماعية تحدث عن تأخير تكوين الأسرة وتراجع الروابط الاجتماعية في العمل وزيادة الفردية وزيادة الضغوط النفسية وتراجع المشاركة في الانشطة الاجتماعية والسياسية وزيادة مرونة الاقتصاد.

"شات جي بي تي" لم يكتب أن هذه التحولات العنيفة تدفع إلى عملية تحولات في القيم الاجتماعية الراسخة أسرع من المعتاد وتدفع إلى صدام اجتماعي ونفسي بين الأباء وبين الأبناء، حيث إن أغلب من تجاوز الـ50 عاماً يعتبرون ما يحدث في المجتمع بمثابة "قفزة إلى الهاوية".

الواقع أن هذا الجيل الجديد أمامه فرص وتحديات يتعامل معها بمنطق العالم الجديد وليس بمنطقنا وبالتالي فإنه قد يعصف بقواعد راسخة في عقولنا ولكن يجب التعامل معها بنوع من التفهم وعبر الحوار لأن مواجهة هذه التحولات بمنطق التشدد قد يدفع إلى فقدان "شعرة معاوية" التي تربط بين جيل الأباء وبين الأبناء.. 

وفي النهاية ساعود إلى مشاهدة فيلم "أم العروسة" واستمتع بمشهد وليمة العريس "جلال" وأهله في منزل العروس "أحلام" ولن ادعو أولادي المشاكسين لمشاهدته معي حتى لا أسمع جملتهم الأشهر "انت قديم قوي يا بابا"!. 
نقلا عن المصرى اليوم