د. مينا ملاك عازر
منذ اندلاع المواجهة العسكرية بين إيران وأمريكا وإسرائيل، ثم التوصل إلى اتفاق التهدئة، ثار سؤال منطقي: إذا كانت أسعار النفط العالمية قد تراجعت، فلماذا لا تنخفض أسعار الوقود في مصر؟ وهل استفادت الحكومة من رفع الأسعار أم لا؟

حاولت أن أجمع الأرقام والوقائع بعيدًا عن الانفعال، فكانت هذه النتيجة.

أولاً: ماذا حدث لأسعار النفط؟
قبل اندلاع الحرب المباشرة، كان خام برنت يتحرك في حدود 64 إلى 66 دولارًا للبرميل، وهي مستويات مريحة نسبيًا للدول المستوردة.

ومع اشتعال الصراع، وارتفاع المخاوف على الملاحة في الخليج العربي ومضيق هرمز، قفزت الأسعار متجاوزة حاجز 100 دولار، ووصلت في بعض الفترات إلى قرابة 120 دولارًا للبرميل نتيجة ما يعرف بعلاوة المخاطر الجيوسياسية وارتفاع تكاليف النقل والتأمين.

وبعد اتفاق التهدئة وإعادة انسياب حركة التجارة، تراجعت الأسعار إلى مستويات أقل كثيرًا من ذروة الأزمة، لكنها ما زالت أعلى من مستويات ما قبل الحرب، ولم تعد بعد إلى نطاق 64 أو 66 دولارًا.

إذن فالقول إن الأسعار عادت إلى ما كانت عليه قبل الحرب ليس دقيقًا، كما أن القول إنها ستظل مرتفعة إلى الأبد ليس دقيقًا أيضًا.

ثانيًا: الجذور الهيكلية.. لماذا نتأثر سريعاً بالعواصف الخارجية؟
الأرقام والوقائع تؤكد أن الأزمة الحقيقية لا تكمن فقط في القفزة المفاجئة لبرميل النفط، بل في البنية الهيكلية للاقتصاد المحلي التي تم تشكيلها عبر سنوات من القرارات المتراكمة. هذا الوضع جعل الاقتصاد مكشوفاً وعرضة للتأثر الحاد بأي تغيرات طارئة نتيجة ثلاثة عوامل أساسية:

 1. الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك: تستهلك مصر سنوياً كميات ضخمة من المنتجات البترولية تبلغ نحو 12 مليون طن من البنزين والسولار، ويتم استيراد جانب كبير من هذه الاحتياجات والمواد الخام من الخارج بالعملة الصعبة. هذا الاعتماد المستمر على الاستيراد يعني أن أي اضطراب في ممرات الملاحة يترجم فوراً إلى زيادة في التكلفة الإجمالية.

 2. الضغط على العملة الأجنبية: القرار الصعب بزيادة الأسعار يرتبط طردياً بسعر الصرف. فعندما يتحرك سعر الدولار محلياً، تزداد تكلفة فاتورة الاستيراد البترولية في الموازنة العامة، حتى لو ظل سعر البرميل ثابتاً في البورصات العالمية. الاعتماد على المسكنات المؤقتة والاقتراض لسنوات طويلة خلق ضغطاً مزمناً على الجنيه، وجعل أي صدمة خارجية بمثابة تهديد مباشر للاستقرار السعري.

 3. غياب مصدات التحوط: إن عدم وجود آليات مالية كافية أو عقود تحوط طويلة الأجل ومحمية ضد تقلبات النفط، جعل الموازنة العامة تواجه الصدمات بصدور عارية؛ مما يضطر صانع القرار المالي إلى تمرير الزيادة مباشرة للمستهلك النهائي لتقليص العجز السريع، بدلاً من امتصاص الصدمة عبر صناديق احتياطية مخصصة للأزمات الجيوسياسية.

ثالثًا: لماذا رفعت مصر أسعار الوقود؟
رفعت الحكومة أسعار البنزين والسولار في ظل ظروف استثنائية، وكان ذلك مرتبطًا بعدة عوامل مجتمعة:

 1. ارتفاع أسعار النفط عالميًا.
 2. ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين البحري نتيجة التوترات الإقليمية.
 3. استمرار برنامج إصلاح دعم الطاقة وتقليل العبء على الموازنة العامة.
لكن من المهم التنبيه إلى نقطة يغفلها كثيرون، وهي أن سعر لتر الوقود في مصر لا يعتمد على سعر برميل النفط وحده، بل يدخل في حسابه سعر صرف الدولار، وتكاليف التكرير والنقل والتخزين والتوزيع والضرائب والرسوم ومكونات أخرى عديدة. ولذلك فإن انخفاض النفط عالميًا لا يعني بالضرورة انخفاضًا مساويًا في سعر الوقود محليًا.

رابعًا: هل ربحت الحكومة من رفع الأسعار؟
الإجابة تحتاج إلى دقة. إذا كان المقصود تحقيق أرباح تجارية، فالحكومة ليست شركة بترول تحقق أرباحًا من بيع الوقود للمواطنين.

أما إذا كان المقصود تقليل الأعباء المالية على الموازنة، فالإجابة نعم، فقد ساهمت الزيادة في تقليص فجوة الدعم وتقليل حجم الخسائر التي كانت ستتحملها الدولة مع ارتفاع أسعار النفط العالمية. بعبارة أخرى، من الأدق اقتصاديًا القول إن الحكومة قلصت خسائرها أكثر من القول إنها حققت أرباحًا.

خامسًا: ماذا عن النفط الإيراني والفنزويلي؟
يرى البعض أن عودة النفط الإيراني والفنزويلي للأسواق العالمية تعني بالضرورة انهيار أسعار النفط. والواقع أن الأمر أكثر تعقيدًا؛ فزيادة المعروض من إيران وفنزويلا قد تضغط على الأسعار نزولًا، لكن هناك عوامل أخرى قد تعاكس هذا الاتجاه، مثل قرارات الدول المنتجة بخفض الإنتاج للحفاظ على توازن السوق، أو زيادة الطلب العالمي. لذلك فإن انخفاض الأسعار العالمية محتمل، لكنه ليس أمرًا حتميًا أو مضمونًا.

سادسًا: هل يجب على مصر إعادة أسعار الوقود إلى ما كانت عليه قبل الحرب؟
من الناحية الاقتصادية البحتة، لا توجد إجابة مطلقة بنعم أو لا. إذا استقر أسعار النفط عند مستويات منخفضة لفترة طويلة، مع استقرار سعر الصرف وتكاليف الشحن والاستيراد، فإن وجود مساحة لخفض الأسعار يصبح أمرًا منطقيًا.

أما إذا ظلت الأسعار العالمية أعلى من مستويات ما قبل الحرب أو استمرت عوامل التكلفة الأخرى مرتفعة، فقد يكون تثبيت الأسعار المحلية مبررًا اقتصاديًا، كما أن انخفاض النفط العالمي لا ينعكس عادة بصورة فورية على السوق المحلية، لأن آليات التسعير تأخذ في الاعتبار متوسطات زمنية وعوامل تكلفة متعددة.

الخلاصة:
 1. أسعار النفط العالمية انخفضت عن ذروة الحرب لكنها لم تعد بعد إلى مستويات ما قبلها.

 2. زيادة أسعار الوقود في مصر ارتبطت بمجموعة من العوامل والهيكل الاقتصادي الحرج، وليس بسعر النفط وحده.

 3. الحكومة لم تحقق أرباحًا تجارية من الزيادة، لكنها قلصت الأعباء والخسائر المالية الواقعة على الموازنة.

 4. زيادة المعروض من النفط الإيراني والفنزويلي قد تدفع الأسعار العالمية إلى الانخفاض، لكنها ليست العامل الوحيد المؤثر في السوق.

 5. من السابق لأوانه الجزم بأن مصر لن تخفض الأسعار أبدًا، كما أنه ليس من الدقة المطالبة بخفضها تلقائيًا مع أي انخفاض عالمي في النفط.

وفي تقديري، فإن المعيار العادل اقتصاديًا هو أن يتحمل المواطن والدولة معًا آثار ارتفاع الأسعار العالمية، وأن يستفيد الطرفان أيضًا من أي انخفاض مستدام وحقيقي في تلك الأسعار، وفق معادلة شفافة وواضحة تراعي مصلحة الاقتصاد الوطني وقدرة المواطنين على تحمل الأعباء.

هذه محاولة لقراءة الأرقام كما هي، بعيدًا عن تسييس الاقتصاد أو اقتصادة السياسة.