د.ماجد عزت إسرائيل
وُلد أبونا الراهب القمص إبراهيم حنا البراوي المقاري حوالي سنة 1860م، بقرية أبو جرج التابعة لمركز بني مزار بمحافظة المنيا، في أسرة قبطية بسيطة كان والده فيها حنا جرجس عبد المسيح خطير. وتنيّح والداه وهو لم يتجاوز التاسعة من عمره، فعاش في رعاية أخيه الأكبر المعلم سليمان حنا، المعروف بالمقدس سليمان، أحد أعيان براوة. ومع مرور السنوات، بدأ قلب الشاب إبراهيم يميل إلى حياة التكريس والرهبنة، رافضًا طريق الزواج، ومختارًا أن يهب حياته كلها لله.
وعندما اشتدت الضغوط عليه للزواج، قرر الهروب إلى دير المحرق بالقوصية سنة 1887م، لكنه خشِي أن يلحق به أخوه، فتوجه إلى برية شيهيت بوادي النطرون، حيث دير القديس مقار الكبير، ليبدأ هناك مرحلة جديدة من حياته الروحية.
في البداية تعجب رهبان الدير من مظهره وملابسه المرفهة، وتساءلوا عن غرض مجيئه، وهل يصلح لحياة الرهبنة أم لا. وبعد فترة من الاختبار، وبعد أن حضر أخوه وتصالح معه، أدرك الجميع صدق نيته وعمق رغبته في حياة الرهبنة.وترهبن باسم الراهب إبراهيم حنا البراوي المقاري، بحسب العادة القديمة التي كانت تنسب الراهب إلى اسمه واسم أبيه وبلده والدير الذي ترهبن فيه. وبعد ذلك سيم قسًا ثم قمصًا، وعُرف بروح الصلاة والبذل والخدمة الهادئة.
وكان أبونا إبراهيم قريبًا من قداسة البابا كيرلس الخامس، كما اختاره البابا ليخدم مذبح الأمير تادرس الشطبي للراهبات بحارة الروم بمصر القديمة، وخدم أيضًا فترة في طنطا بأمر من قداسته. وكان يخرج إلى الكنائس الفقيرة ليصلي فيها، ثم يترك بها مبلغًا من المال في محبة واتضاع.ومن علامات تقدير الكنيسة لسيرته أن قداسة البابا يوأنس التاسع عشر أهداه الثوب الثمين الذي كان يرتديه وقت جلوسه على كرسي مارمرقس، وذلك إعجابًا بقداسة حياته ونقاوة خدمته.كما ذهب أبونا إبراهيم إلى القدس للتبرك بالأماكن المقدسة، وظل طوال حياته مثالًا للكاهن الناسك الذي جمع بين حياة الدير وخدمة المذبح ومحبة الفقراء.
وتبقى اللحظة الأعمق في سيرته أنه تنيّح وهو يصلي القداس الإلهي، قبل صرف ملاك الذبيحة، وكأن حياته كلها كانت طريقًا نحو المذبح، وانتهت عنده في حضرة الصلاة والذبيحة.
وبحسب الشواهد المتاحة وما ترويه الذاكرة الكنسية وتسلسل الأحداث، يُرجَّح أن أبونا الراهب القمص إبراهيم حنا البراوي المقاري تنيّح بسلام في يوم 7 هاتور سنة 1658 للشهداء، الموافق 16 نوفمبر 1941م، بعد حياة امتلأت بالصلاة والنسك وخدمة المذبح ومحبة الفقراء.فإن سيرة أبونا الراهب القمص إبراهيم حنا البراوي المقاري ليست مجرد ذكرى من الماضي، بل صفحة مضيئة من تاريخ الرهبنة والكهنوت في الكنيسة القبطية، وشهادة حية على أن حياة التكريس الحقيقي تبدأ من القلب، وتكتمل بالمذبح، وتبقى في ذاكرة الكنيسة عبر الأجيال.





