بقلم الأب يسطس الأورشليمى
لماذا سمح الله بالعُودة من بابل إلى أورشليم على ثلاث دفعات؟!
أما كان يُمكن أن يسمح الله بأن يُصدر الملك كُورش أمراً بعُودة جميع اليهُود معاً دفعة واحدة تحت قيادة زربابل ويشُوع؟! هل من ضرُورة للفوج الثاني تحت قيادة عزرا، والثالث تحت قيادة نحميا؟!
أولاً: الله الذي وهب الإنسان حرية الإرادة، لم يرد أن يحقّق العُودة قسراً، إنما قدمها للجميع، وترك لكُل إنسان كامل الحرية، حتى يُكافأ على عودته التي يحققها دُون إلزام أو إجبار على أحد..
ثانياً: وجود الدفعات الثلاث يكشف عن رحلة البشرّية من سبي إبليس إلى حرية مجد أولاد الله، البعض يتجاوبُون مع الدعُوة، هُؤلاء يُحسبُون أصحاب الساعة الأولى، ويبقى الباب مفتُوحاً للعبُور في الساعات التالية حتى آخر لحظة وحتى غرُوب شمس هذا العالم..
ثالثاً: اختار الله قادة متنوعين، ففي الفوج الأول برز زربابل من نسل داود كرمز للمسيح ملك الملُوك، وفي الفوج الثاني برز عزرا الكاهن بكُونه رمزاً لكلمة الله ورئيس الكهنة الأعظم، وفي الفوج الأخير برز نحميا الأمين في عمله كرمز للمسيح المدعُو الآمين..
كأن الله يُريد من جميع المُؤمنين أن يكُونُوا رُوحيين، سواء كانُوا من نسل ملُوكي أو نسل كهنُوتي أو من الشعب..
رابعاً: وإن اشتركت الأفواج الثلاثة في طابعها الرُوحي، وقيامها تحت قيادة الله نفسه العامل في القادة كما في الشعب، لكن لكُل رحلة سمات خاصة، كمثالٍ لم يطلب عزرا حراسة للحماية من العدُو، لئلا يتعثر الملك الوثني، فيظن أن الله عاجز عن حمايتهُم، بينما لم يرفض نحميا الحراسة التي قدمها الملك له، هذا لا يعني أن أحدهما يفُوق الآخر في الإيمان، إذ كلاهما أعتمد على حراسة الله، وإن اختلف الأسلوب..
خامساً: بلغت الأفواج الثلاثة أورشليم، لكن لكُل فوج دوره، ولا يستغنى الواحد عن الفوجين الآخرين، الفوج الأول رسالته بناء المذبح والهيكل، والثاني إقامة الشعائر والذبائح، والاحتفال بالأعياد، والثالث بناء الأسوار، لكن الثلاثة كانُوا ملتزمين بالإصلاح الداخلي..
سؤال: ماذا يعني سُور أورشليم بالنسبة لنا؟!
حينما يتحدث الرّب عن أورشليم يقُول:
كفرح العريس بالعرُوس يفرح بك إلهك، على أسوارك يا أورشليم أقمت حراساً، لا يسكتُون كُل النهار والليل على الدوام..
الحديث هُنا عن أورشليم الجديدة، أي الكنيسة عرُوس المسيح، أما الحراس الذين يُقيمهُم العريس السماوي، فهُم الملائكة والقوات السماوية المُقدسة، أنهُم قادة الكنيسة وكهنتها، هُؤلاء الحراس لأسوار الكنيسة مُعلمي الأسرار الإلهية، الذين لا يتوقفُون عن العمل لمجد الرّب..
إن كانت أورشليم تُشير إلى كنيسة الله في العهد الجديد، فمَن هُم بنُو الغريب الذين يبنُون أسوارها؟! (إش10:60)..
لقد جاء المسيح إلى خاصته اليهُود، وخاصته لم تقبله، أما الأمم الغرباء فقد صارُوا شهُوداً وكارزين بالحقّ الإنجيلي، فلستُم إذا بعد غُرباء ونزلاء، بل رعية مع القديسين وأهل بيت الله (أف19:2)..
أسوار الكنيسة هي: الإيمان المُستقيم..
لقد قام الرُسل ببناء الأسوار بالكرازة بهذا الإيمان دُون أن يُنسبُوا إلى جنس اليهُود بل صارُوا كغرباء عنهُم، وهُم المعلمُون الذين جاءُوا من أمم غريبة عن إسرائيل، وقامُوا بحراسة الأسوار بصلواتهُم..
هُوذا على كفي نقشتك، أسوارك أمامي دائماً (إش16:49)..
أن الأسوار المنقُوشة على يدي الله هُم الرُسل القديسُون والإنجيليُون، هذه الأسوار هي التشبه بالله وحمل صُورته بالفضائل فينا، وأن الأمر يخص بناء الكنيسة الجديدة في نفُوس البشر..
أن هذا الاسم الأبدي الذي يُعطيه لهُم في بيته وأسواره، إنما هُو العبُور بهُم من ظلال الزمن القديم إلى أنوار الأبدية، إن كُنا نوجه بصيرة قلُوبنا نحو المُخلّص الذي يصّور هُنا بالسُور، فإننا نخلُص إذ هُو يُخلّص المُؤمنين الذين يسكنُون فيه من هجمات كثيرة، يقُول الرّب:
وأنا أكُون سُور نار من حولهُم (إش1:26؛ زك5:2)..
قيل: المياه تتحول إلى سُور (خر22:14-29)..
فدخل بنُو إسرائيل في وسط البحر على اليابسة، والماء سُور لهُم عن يمينهُم وعن يسارهُم... وأما بنُو إسرائيل فمشُوا على اليابسة في وسط البحر والماء سُور لهُم عن يمينهُم وعن يسارهُم..
إنها صُورة رائعة لكنيسة العهد الجديد وهي تتبع مسيحها، بل تلتصق به بكُونها الجسد المُتحد بالرأس، وبعصاه أو صليبه يتحول العالم المُضطرب بأمواج تجاربه العنيفة إلى طريق مُمتع للعبُور نحو الأبدية، تتحول المياه المُهلكة إلى سُور عن اليمين وعن اليسار، ليسير المُؤمن في الطريق بلا انحراف في حصانة المسيح الذي يحول كُل الأمُور لبنيان نفسه، وبنيان الكنيسة ليُحضرها إلى حضن الآب..





