بقلم الأب يسطس الأورشليمى
لقد حدث بعد موت سُليمان أن انقسمت مملكة إسرائيل إلى:
أولاً: المملكة الشمالية (إسرائيل) تضُم عشر أسباط سباهُم الأشوريُون عام 722 ق. م، قبض شلمناسر على هُوشع ملك إسرائيل، وسباهُم في خابُور نهر جُوزان وفي مُدن مادي (2مل6:17)..
ثانياً: المملكة الجنوبية (يهُوذا) تضُم سبطي يهُوذا وبنيامين، وقد سباهُم البابليُون عام 586 ق.م، قيل عن نبُوخذنصر: وسبى كُل أورشليم والرُؤساء.. سباهُم إلى بابل (2مل14:24-16)..
تهدم هيكل سُليمان، وخربت مدينة الله أورشليم، وتحولت إلى قفرٍ، أما في أرض السبي فلم يكن ممكناً لهُم إقامة هيكل الله هُناك بحكم النامُوس، إذ تُعتبر الأرض التي يسكنُون فيها نجسة (عا17:7)، لم يكن أمام اليهُود من الطقُوس الهامة سوى حفظ السبت وممارسة الختان، بعد أن سكنُوا في مستعمرات في مملكة بابل، وعانت الغالبية من أتعاب العبُودية..
كانت قصة خرُوج شعب الله من عبُودية فرعُون، وانطلاقهُم إلى أرض الموعد محفُورة في قلب كُل مُؤمنٍ، يحتفل بها مع كُل الشعب سنوياً في عيد الفصح، بل ويحتفل بها في كُل عبادته يومياً، إنها قصة حياة الشعب المُتحرّر من العبُودية، أما قصة العُودة من أرض السبي إلى أورشليم فهي خرُوج جديد، والقائد الحقيقي الخفي هُو: الرّب أيضاً..
قد يبدُو أن الرّب تأخر على شعبه حين تركهُم تحت التأديب في السبيّ لمدة سبعين عاماً، لكنه هُو بنفسه سبق فوعد بأفواه أنبيائه عن هذا الخرُوج، لقد حدد المدة بسبعين عاماً، كما جاء في إرميا النبيّ، وسبق فأعلن اسم الملك كُورش الذي مسحه، وهُو وثني لتحقيق هذا الهدف قبل تحققه بحوالي قرنين، راجع (إر10:29-13؛ إش1:45)..
كُل من الخرُوج الأول والثاني هُو رمز للخرُوج الذي نتمتع به خلال العهد الجديد، فقد جاء كلمة الله متجسداً، هذا الذي يقُول: من عند الآب خرجت (يو30:16)، خرج إلينا ليحملنا فيه، يخرج بنا من البنُوة لآدم إلى البنُوة لله الآب السماوي، خلال نعمة التبني..
تم الخرُوج الأول دفعة واحدة تحت قيادة مُوسى، وتم الخرُوج الثاني على ثلاث دُفع تحت قيادة كثيرين، فهُو العامل بكُل الطرق حسب خطته، فالتحرّر من فرعُون القاسي القلب كان أصعب بكثير من خرُوجهُم بأمر كُورش الفارسي المُتسامح، ومع هذا فالخرُوج الأول تم دفعة واحدة ليُؤكد أن الرّب هُو القائد القدير، أما الرجُوع من السبيّ فمع سهُولته بالنسبة للخرُوج الأول، لكن الله وضع خطة مُحكمة لصالح الشعب..
يعمل الله بالفرد القائد الواحد كما يعمل بالجماعة أكثر من قائد..
الخرُوج الأول يرمز إلى خرُوجنا من عبُودية إبليس إلى البرّية على يد مسيحنا بالصليب إلى كنعان السماوية..
والخرُوج الثاني يرمز إلى تجديننا، وإعادة خلقتنا بالرّب المُصلح الحقيقي للإنسان، والمُجدد له برُوحه القدُوس..
قبل السبيّ بحوالي 490 عاماً شعر الشعب، بأن تقديم سنة كاملة كُل سبع سنوات كسبت للرّب حتى تستريح الأرض وتسترد خصُوبتها هُو مضيعة للطاقات والإمكانيات التي بين أيديهُم..
ظنُوا أنهُم قد انتفعُوا بسبعين سنة خلال الـ 490 عاماً، فكان لزاماً أن يتحقّق تسبيت الأرض بغير إرادتهُم، حيثُ يحملُون إلى أرض السبيّ، وتترك أراضيهُم خراباً يسكنها الأعداء، وترعى فيها الحيوانات، كأن الأرض صرخت تطلب راحة من عدم حكمة الشعب..
سمع الرّب لصراخها الخفي، قيل: وسُبي الذين بقُوا من السيف إلى بابل، فكانُوا له ولبنيه عبيداً إلى أن ملكت مملكة فارس، لإكمال كلام الرّب بفم إرميا حتى استوفت الأرض سبُوتها، لأنها سُبتت في كُل أيام خرابها، لإكمال سبعين سنة (2أي20:36)، يظن الإنسان أنه أكثر حكمة من شريعة الله، وإذا به يجلب الخراب والدمار والمرارة لنفسه..
كُورش رجل وثني ملك على فارس 20 سنة، ثم احتل بابل 538 ق.م وذكر إشعياء كُورش بالاسم، مُؤكداً أن قيامه بسماح إلهي، وأن غلبته على بابل العظيمة من قبل الله (إش45)، يدعُو الله كُورش مسيحه، ويفتح أمامه الأبواب المُغلقة وتنهار قدامه الحصُون..
تنبأ دانيال النبيّ عن اتحاد مملكتي فارس ومادي بكُل وضُوح وصراحة، هذا ما دفع كُورش نحو إصدار منشُور بعُودة اليهُود لبناء الهيكل، استجاب للمنشُور خمسين ألف يهُودي، انطلقُوا إلى أورشليم كفُوج أول تحت قيادة زربابل، حيثُ سارُوا أكثر من 700 ميلاً..
لقد أمر كُورش المسئُول عن خزائن القصر أن يُخرج آنية بيت الرّب التي أخذها نبُوخذنصر، ويُسلمها كُلها إلى أورشليم، كأنها كانت محفُوظة لهذا اليوم كما دعا إلى التبرع لبيت الرّب، حقاً قصة كُورش تبرز أن الله ضابط التاريخ هُو إله المستحيلات، صانع العجائب..
كُورش وثني، لكنه كان رمزاً للمسيح في بعض جوانب مثل:
أولاً: كلمة كُورش تعني شمس، وكان يعتبر نفسه الشمس التي أشرقت على البلاد، والمسيح شمس البرّ (مل2:4)..
ثانياً: قال كُورش إن الرّب دفع إليه جميع ممالك الأرض، والمسيح هُو ملك الكنيسة الممتدة في العالم كُله..
ثالثاً: حسب كُورش أن عمله هُو أن يبني بيت الرّب وهيكله، والمسيح جاء ليُقيم كنيسته بيت الرّب الرُوحي..
رابعاً: حرّر كُورش الشعب وطلب منهُم أن يتركُوا الأراضي، والمسيح قال إن حرّركُم الابن، فبالحقيقة تكُونُون أحراراً..
خامساً: لم يُلزم كُورش الناس بالتحرّر من السبيّ قهراً، والمسيح لا يُلزم الناس بالخلاص بغير إرادتهُم ومشيئتهُم..
سادساً: طلب كُورش أن يستخدمُوا الذهب والفضة لبيت الرّب، والمسيح يُريدنا أن نُقدم مواهبنا وقُدراتنا للمملكته..
سابعاً: تنبأ إشعياء عن كُورش في الزمن المُعين للعُودة من السبيّ، وتنبأ الأنبياء عن المسيح في ملء الزمان..





