محمد نبيل المصرى
الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان ليست بالضرورة مفاهيم معادية للدين، بل يمكن تأسيسها من داخل المرجعية الإسلامية نفسها، وهو ما حاولت مجموعة من المفكرين والعلماء المسلمين التأكيد عليه في إعلانات أبانت.

كثيرًا ما تُطرح الحرية باعتبارها مفهومًا حديثًا نشأ في الغرب ويتعارض بطبيعته مع الدين، غير أن هذا التصور يتجاهل وجود تيار واسع من المفكرين المسلمين الذين سعوا إلى إعادة قراءة التراث الإسلامي في ضوء قيم الحرية وحقوق الإنسان والديمقراطية. ومن أبرز الوثائق التي عبرت عن هذا الاتجاه ما عُرف باسم “إعلانات أبانت” (Abant Declarations)، وهي سلسلة من البيانات والحوارات الفكرية التي جمعت علماء دين ومفكرين وأكاديميين من خلفيات متنوعة، وانطلقت من فكرة أساسية مفادها أن بناء مجتمع حر وديمقراطي لا يتعارض مع الإسلام، بل يمكن أن يستند إلى مبادئ إسلامية أصيلة.

وتستند الأحزاب الإسلامية إلى العلمانية في تركيا وإندونسيا وتقدرها من منظور إسلامي صرف .

تقوم رؤية أبانت على أن الإسلام لا يقدم نموذجًا سياسيًا جامدًا ومغلقًا، وإنما يقدم مجموعة من القيم والمبادئ الأخلاقية التي يمكن أن تتجسد في مؤسسات حديثة تحقق العدالة والحرية وكرامة الإنسان. ولذلك أكدت إعلانات أبانت على أهمية الديمقراطية والتعددية وحقوق الإنسان وسيادة القانون، باعتبارها أدوات معاصرة لتحقيق مقاصد إسلامية راسخة.

ويجد هذا التوجه أساسه في القرآن الكريم نفسه. فالقرآن يؤكد حرية الاختيار الديني في قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ (البقرة: 256)، وهي آية تجعل الإيمان فعلًا حرًا قائمًا على الاقتناع لا على الإكراه. 

كما يقول تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (الكهف: 29)، بما يدل على أن الله منح الإنسان حرية الاختيار مع تحمله مسؤولية قراره.

ومن الآيات التي تؤسس لاحترام حرية الضمير أيضًا قوله تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (يونس: 99)، وقوله: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ (الغاشية: 22). فحتى النبي نفسه لم يُكلف بإجبار الناس على الإيمان، بل بالبلاغ والحوار والإقناع.

أما في المجال السياسي، فإن القرآن يؤكد مبدأ المشاركة وعدم احتكار السلطة من خلال قوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ (الشورى: 38). ورغم أن الشورى ليست مطابقة تمامًا للديمقراطية الحديثة، فإنها تشترك معها في جوهر مهم وهو رفض الاستبداد وإشراك الناس في إدارة شؤونهم العامة. 

ولذلك رأى عدد من مفكري أبانت أن المؤسسات الديمقراطية المعاصرة يمكن اعتبارها تطويرًا تاريخيًا لروح الشورى الإسلامية.

كما يربط القرآن الحرية بالكرامة الإنسانية. يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ (الإسراء: 70). 

فالإنسان مكرم بصفته إنسانًا قبل أي انتماء آخر، وهو ما يشكل أساسًا أخلاقيًا لحقوق الإنسان المعاصرة. ومن هذا المنطلق لا تكون الحرية منحة من الدولة أو الحاكم، بل حقًا أصيلًا مرتبطًا بكرامة الإنسان التي وهبها الله له.

وأكدت إعلانات أبانت كذلك على مبدأ التعددية الدينية والثقافية. فالقرآن يقر بوجود التنوع بين البشر باعتباره جزءًا من الإرادة الإلهية، إذ يقول: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ (هود: 118)، ويقول أيضًا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ (الحجرات: 13). 

وبالتالي فإن الاختلاف ليس تهديدًا يجب القضاء عليه، بل حقيقة إنسانية يجب تنظيمها عبر الحوار والقانون والاحترام المتبادل.

وتتفق هذه الرؤية مع كثير من المبادئ الواردة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، خاصة ما يتعلق بحرية الفكر والضمير والمشاركة السياسية والمساواة أمام القانون. 

وترى مقاربة أبانت أن المسلمين ليسوا مضطرين للاختيار بين هويتهم الدينية وبين قيم الحرية الحديثة، لأن كثيرًا من هذه القيم يمكن إيجاد أساس لها داخل التراث الإسلامي نفسه.

ومن هنا يصبح بناء مجتمع حر مشروعًا إسلاميًا بقدر ما هو مشروع إنساني. فالمجتمع الحر ليس مجتمعًا بلا قيم أو بلا دين، بل مجتمع يحترم كرامة الفرد، ويضمن حرية الاعتقاد والتعبير، ويخضع فيه الجميع للقانون، وتُدار شؤونه عبر المشاركة والرضا العام لا عبر القهر والإكراه.

إن التحدي الحقيقي أمام المجتمعات الإسلامية المعاصرة لا يكمن في التوفيق بين الإسلام والحرية، بل في تجاوز القراءات الجامدة التي تختزل الدين في السلطة والإكراه. 

فالنصوص القرآنية تؤكد الكرامة والاختيار والشورى والتعددية، وإعلانات أبانت قدمت نموذجًا فكريًا معاصرًا يوضح كيف يمكن لهذه المبادئ أن تشكل أساسًا لمجتمع ديمقراطي حر يحافظ على هويته الإسلامية في الوقت نفسه.
وبذلك لا تظهر الحرية كقيمة مستوردة من الخارج، وإنما كامتداد لمبادئ قرآنية أصيلة تجعل الإنسان مسؤولًا عن اختياراته، مكرمًا في ذاته، وشريكًا في صناعة مستقبله. 

ومن هذا المنطلق يمكن القول إن الحرية ليست نقيضًا للإسلام، بل أحد الشروط الضرورية لتحقيق مقاصده العليا في العدل والكرامة وعمارة الأرض.