(إعداد وتعريب: د. أشرف ناجح إبراهيم عبد الملاك)
أختم هُنا تعريبًا لتأمّلاتٍ قد كَتبها الأبُ الكاثوليكيّ رومَانُو غُوارْدِيني (1885-1968)، أحدُ كبار الفلاسفة وعلماء اللاهوت الكاثوليك المعاصرين، رابطًا بين القيامة والإفخارستيا والأبديّة. فتتمحور بدورها حول "يوم الأحد"، يوم الربّ، ويوم القيامة، ويوم الإفخارستيا.
<<<[3]>>>

من جرّاء وجودِ الأبديّة في الزمن، ينشأ الزمنُ المقدَّس بما تحويه الكلمة من معنًى. كان أوّلًا ذاك [الزمن] الذي امتدّ من البشارة إلى صعود الربّ. وخلال مسيرته [الأرضيّة]، كان ابنُ الله المتأنِّس بيننا: قد عاش وعمل وحقّق مصيره؛ في ذلك الوقت تحديدًا لا غير. حينها، تأنَّس الله حقًّا، في تلك السنة من عهد الإمبراطور أُغسطس، ومات حقًّا في عهد بيلاطس البنطيّ؛ لا قبله ولا بعده.

في تلك السنوات، وُجِد اللوغُس الأزليّ المتأنِّس؛ وهذا عينه الذي يحضر في القُداس [الإلهيّ]. ففي اللحظة التي ينطق فيها الكاهنُ، بفضلِ القوّة الممنوحة له من لدن الله، كلماتِ التقديس على الخبز والخمر، يدخل المسيحُ بين الجماعة المجتمعة، ويكون حاضرًا حقًّا بين أعضائها حتّى لحظة المناولة. وهذه هي فترةٌ زمنيّة أخرى محدّدة بوضوحٍ، لها بدايتها ونهايتها: فترة محدودة للغاية، وهي مرور الربّ بالمعنى الدقيق للكلمة.

إنّ الاحتفال الصحيح بالقُداس [الإلهيّ] يتطلّب الوَعْي بهذه الفترة الزمنيّة: في بدايتها، وامتدادها، ونهايتها. إنّها فترةٌ وجيزة، ولكنّها مفعمةٌ بالأبديّة. وتوجد عادةٌ تحجب هذا الوَعْي بسهولةٍ، وهي عَرْضُ القُربان المقدَّس أثناء القُداس [الإلهيّ]. وقد نشأتْ هذه العادةُ من فرطِ رغبة المؤمنين في أن يكون الربُّ قريبًا منهم قدر الإمكان، ولفترةٍ طويلة، في سرِّ الإفخارستيا، حيث يشعر المرءُ بلا شكّ بشعورٍ عميق. ولكنّه، إذا دَقَّق النظرَ، فسيتّضح له جليًّا أنّ هذا الأمرَ لا يخلو من ضوابط. إنّ عَرْضَ القُربان المقدَّس أثناء القُداس [الإلهيّ]، يُفقِد الوَعْي بالوقت المقدَّس بسهولة. إنّ الحضور الدائم للقُربان، كنجمةٍ على المذبح طوال وقت التقديس برمّته، يحجب بدروه ظاهرةَ المرور الذي من خلاله يأتي الربُّ، ويحلّ بيننا، ويذهب من جديد.

إنّه ليس بالأمر الهيّن أن ندرك هذا المرور [الخاصّ بالربّ]، فهو اللحظة المقدَّسة التي تمتزج بالأبديّة. إنّها تُضفِي علينا طابعًا خاصًّا، وطوال مدتها نشعر بشعورٍ مختلف. ثمّ تردّنا إلى أتعابنا المعتادة، ولكنّنا إذا عشناها بكياننا كلّه، فإنّها تبقى فينا، كبذرةِ الأبديّة التي تتجلّى في أفراح القيامة؛ وتستمرّ حياتُنا في وسط العالم، ولكنّها لم تعدّ بَعْدُ من العالم.