محرر الأقباط متحدون
في مشهدٍ يحمل الكثير من الألم والرمزية، نظمت جماعة سانت إيجيديو مساء الثامن عشر من يونيو في بازيليك القديسة مريم في تراستيفيري بروما، وقفة صلاة بعنوان "الموت أملاً"، إحياءً لذكرى آلاف المهاجرين الذين فقدوا حياتهم وهم يحاولون الوصول إلى أوروبا. جاءت هذه المبادرة عشية اليوم العالمي للاجئين، في وقت تتصاعد فيه المخاوف من السياسات الأوروبية الجديدة بشأن الهجرة والترحيل.
الوقفة، التي تُنظَّم سنويًا منذ نحو عشرين عامًا، خُصصت هذا العام لاستذكار أكثر من سبعة وسبعين ألف شخص لقوا حتفهم أو فُقدوا منذ العام ١٩٩٠ أثناء محاولاتهم عبور البحر الأبيض المتوسط أو طرق الهجرة البرية والبحرية الأخرى نحو القارة الأوروبية. ووفق بيانات المنظمة الدولية للهجرة، فإن السنوات الخمس الأخيرة شهدت ارتفاعًا مقلقًا في نسبة الوفيات، رغم انخفاض أعداد الوافدين، حيث سُجّلت حالة وفاة واحدة مقابل كل سبع وأربعين محاولة عبور.
هذا الحدث استلهم رسالته من كلمات البابا لاون الرابع عشر، التي وجّهها قبل أيام خلال زيارته إلى جزر الكناري الإسبانية، حين قال الحبر الأعظم للمهاجرين: أنحني أمام كرامتكم. كلماتٌ حملت دعوة واضحة إلى أوروبا لإعادة النظر في تعاملها مع المهاجرين، وعدم اختزالهم في أرقام أو ملفات إدارية، بل النظر إليهم كبشر يهربون من الحروب والجوع والتغير المناخي بحثًا عن النجاة.
في هذا السياق شددت دانييلا بومبي، المسؤولة عن ملف الهجرة في جماعة سانت إيجيديو، على أن كثيرًا من المهاجرين الذين يصلون إلى إيطاليا أو إسبانيا يروون قصصًا قاسية عن رحلات محفوفة بالموت والاستغلال. وأوضحت أن بعضهم حاول عبور البحر سبع أو ثماني مرات، مدفوعًا بالخوف من جهة، والأمل في حياة أفضل من جهة أخرى. وأضافت أن الوقفة ليست فقط لتكريم من ماتوا، بل أيضًا للاستماع إلى من نجوا وحملوا معهم أسماء وأحلام من فقدوهم في الطريق.
تأتي هذه الفعالية في سياق سياسي حساس، بعد موافقة الاتحاد الأوروبي على حزمة قوانين جديدة تهدف إلى تسريع عمليات ترحيل المهاجرين غير النظاميين وتوحيد الإجراءات بين الدول الأعضاء. خطوة أثارت انتقادات واسعة من منظمات إنسانية ودينية، معتبرة أنها قد تؤدي إلى تراجع الضمانات القانونية والإنسانية للمهاجرين.
في هذا الإطار، دعت جماعة سانت إيجيديو إلى توسيع القنوات القانونية للهجرة، مثل الممرات الإنسانية، وتأشيرات العمل، ولمّ شمل العائلات، عوضا عن الاعتماد على مراكز الاحتجاز أو الترحيل القسري. وترى الجماعة الكاثوليكية أن أوروبا، التي بُنيت تاريخيًا على التنوع الثقافي والديني، مطالَبة اليوم باستعادة روحها الإنسانية، خاصة في ظل التحديات الديموغرافية التي تعانيها دول مثل إيطاليا وإسبانيا.
هذا وقد أولت الوقفة اهتمامًا خاصًا بمصير الأطفال المهاجرين، الذين يشكلون الفئة الأكثر هشاشة، في وقت تشير فيه البيانات إلى أن النساء والأطفال يمثلون نحو ثمانية وعشرين بالمئة من ضحايا الهجرة في السنوات الأخيرة. كما استعاد المنظمون حادثة وفاة رضيعة لم يتجاوز عمرها شهرًا واحدًا، بعدما تعرضت للبرد القارس في لامبيدوزا، في صورة تجسد قسوة هذه الرحلات.
في ختام الفعالية، جدد المشاركون دعوتهم إلى استئناف عمليات الإنقاذ في البحر وفتح طرق آمنة للهجرة، مؤكدين أن الأمل في حياة أفضل يجب أن يبقى حقًا إنسانيًا مكفولًا للجميع، لا امتيازًا يدفع الإنسان حياته ثمنًا للوصول إليه.




