سحر الجعارة
«التطرف الديني» لا يقتصر على الإسلام ولا يتحول دائماً إلى حمل السلاح وإرهاب الآخر، أحياناً تكون الكراهية واستنزاف الآخر بالاستغلال والقهر والحرمان والعقاب بدون إثم أكثر قسوة وإرهاباً (إرهاب معنوي)، لأنها تتم داخل دائرة مغلقة من البشر قرروا اعتزال الحياة المدنية والخروج من مظلة الدولة وكراهية الشرطة والقانون، ووضعوا لأنفسهم قانوناً خاصاً يستند بالأساس إلى الدين، والدين منه براء، لكنه مصدر السلطة والقهر على حد سواء.

القاعدة الأولى: الرجال هم المعيلون، القاعدة الثانية النساء خاضعات، القاعدة الثالثة من ينتهك القواعد يخضع للعقاب، كان هذا هو بوستر التسويق للمسلسل الإنجليزي «خارج الدائرة» الذي يتحدث عن مجتمع كامل. قد يكون هذا المجتمع متخيلاً، السلطة فيه للدين «المسيحي» لكنك لن ترى القس في زيه التقليدي ولا يقال عنه «القس» أو «البابا» إن لقبه يقترب من مدير هيئة «القدير»، ولن تتابع شعائر الديانة المسيحية كما نعرفها، فقط كلمة واحدة تشير إلى أنهم يدينون بالمسيحية (المسيح - المخلص).

وكأن الكاتب «جولي جيري» والمخرج «جيم لواش» أرادا وضع نموذج يصلح تطبيق تطرفه على أديان أخرى.
والنموذج لا تعرف إن كان منظمة أم هيئة إنه أشبه ما يكون بعزبة أو قبيلة بدوية تنتشر على أراضٍ شاسعة وسط الغابات بعيداً عن الحكومة، تتقاطع فيه صرامة الالتزام بالتعاليم، وإخضاع المرأة لسلطة الذكر، وقسوة العقوبات وتنفيذها، من دون الاحتكام إلى العدالة والمحاكم.

أما من هو «خارج الدائرة» فهو المبعد أو من يعزل كنوع من العقاب وكل من لا يؤمنون بالتعاليم ذاتها. وما القواعد إلا عبارة عن سخرة للنساء، واختطاف للرجال من كل ما يغاير «القواعد» مثل الموبايل أو الإنترنت أو الذهاب إلى المدينة لمزيد من الإحكام خوفاً من التورط بالخطيئة، والتلوث بالبذاءة والفساد.

ويبرر السيد فيليبس منع استخدام الهاتف الذكي بقوله: «هذه أداة من أدوات الشيطان، وهي تفتح قناة إلى المواد الإباحية، وطريقاً قذراً لأرواحنا.. والحقيقة أنها طرق عزلة لإرهاب أتباع الجماعة.. (يسرقني تعبير الجماعة ربما لأنهم أشبه بالإخوان).

«خارج الدائرة» مستلهم من حكايات حقيقية، ففي المملكة المتحدة أكثر من ألفي طائفة، بعضها مجتمعات منغلقة، لكن كثيراً منها، على غرار هذه الطائفة المتخيلة، يعيش على مرأى الجميع.

الممثلة الشابة مولي ويندسور دور زوجة مطيعة وهادئة «روزي»، التي تربي ابنتها غرايس على القيم ذاتها التي نشأت عليها.

وتغرس في ذهنها ما تؤمن به من أفكار عن خلاص المجموعة المختارة، غير أن شخصية روزي تتمرد تدريجياً، تأثراً بما تحمله الأيام من تجارب ومفاجآت، من دون أن تحتج بصوت عال، أو تجادل الآخرين في قراراتهم.
إنها تحمل الكثير من الحزن والخيبة والتوق والتعطش إلى الحب والمعرفة والاكتشاف.. فزوجها آدم (آسا باترفيلد) يقدم شخصية لا تقل تعقيداً وغموضاً عن شخصية الزوجة. فهو مرشد ديني متطرف في تطبيق الأحكام والعقاب لكنه ينجذب إلى نفس النوع!

تحتدم الدراما حين تتعرض ابنة روزي للغرق وينجدها مجرم هارب من الغرق ويسلمها للأم، الطفلة غرايس في البحيرة، وهب رجل غريب لنجدتها، كأنه ملاك منقذ، حتى إنها تسأل أمها لاحقاً، إن كان هذا الرجل الذي أنقذها يسوع؟.. وهو ما نسميه في ثقافتنا «التقية».. وحتى لا نغرق في تفاصيل اختراق المجرم للجماعة نعود إلى آدم الذي طلب أخوه بالموبايل الإسعاف لإنقاذ ابنته فكيف يكافئ أخاه «إيزاك»؟.. يبلغ عنه ويقوم بتنفيذ الحكم بعزله أي سجنه بعيداً عن عمله وأسرته!!.

هكذا أصبح «المرشد الديني».. ويستثمر المجرم ضعف روزي فتقع في الخطيئة وينجح في الحصول على فيلم إباحي لزوجها المرشد الديني ويزهق عدة أرواح حتى يتوجه السذج المغيبون مرشداً روحياً ورئيساً للجماعة في مشهد الختام.

الغرب لا يعاني فقط من الإسلاموفوبيا، بل إن الغرب لديه عداء مع أي نمط حياة في «جيتو» يعادي الأنظمة المدنية باسم الدين، ليحكم نفسه بنفسه وفقاً لقواعده المتخلفة بعيداً عن الدولة حتى لو لم يحملوا السلاح.. لكنه يبقى الغرب هو الأجرأ في طرح علاقتنا بالأديان، وكشف الخرافات المرتبطة ببعضها أو اتخاذ الدين ذريعة للحكم، وهو من نسميه «الحكم الديني».

خلال 2016-2017 قدم النجم الأمريكي الشهير «مورجان فريمان» سلسلة أفلام وثائقية حول المفاهيم الأساسية والوجودية لأكبر الأديان على سطح الأرض، مركزاً على السماوية منها (الإسلامية، والمسيحية، واليهودية)، إلى جانب استعراضه لمفاهيم دينية تاريخية تعود إلى مصر القديمة والهندوس والبوذية.

وعُرض على محطة «ناشيونال جيوجرافيك».. نعم تستطيع أن تطرح أسئلة حول ماهية الروح، كيف ترى معظم الأديان الحياة بعد الموت؟ وما فكرة الحضارات المختلفة عن الخلق؟.. تستطيع أن تسأل من هو الله؟ كيف تستدل على وجوده؟ إلى آخر الأسئلة الوجودية.. دون أن تُعتقل أو تُعلق على المشنقة.. هذه هي «الحرية» كما يؤمنون بها ويمارسونها.

في أمريكا والغرب لا توجد تهمة تسمى ازدراء الذات الإلهية ولا الأديان، ولا يوجد عندهم كتائب «حسبة دينية».. واعتراضك على قواعدهم ونمط حياتهم يدخلك فوراً دائرة «الإسلاموفوبيا».. لو تصورت أن هذا «اضطهاد للمسلمين»، فتذكر أن أمريكا (ذات الأغلبية المسيحية) نشرت في عام 2003 رواية «شفرة دافينشي»، وهي رواية تتناول علاقة السيد المسيح «عليه السلام» بـ«مريم المجدلية».. وفي عام 2006 تحولت الرواية إلى فيلم روائي أمريكي.

أرفض اختزال الدين في جماعة وتحويل أي جماعة إلى كهنوت.. وخذ من الدين ما يجعلك أكثر إنسانية.
نقلا عن الوطن