كمال زاخر
[5] اشكالية التعليم الكنسي المعاصر
2ـ في اشكالية التعليم
في مجال التعليم يظهر جلياً تأثير مدخلات التكوين الفكري عند الرموز المؤثرة، والتي تخرج بالخلاف بين المدرستين من كونه خلافاً شخصياً، وإن تعمق فيما بعد بشكل مشخصن، ربما بفعل طبيعة العلاقة بين السلطة والمثقف، فضلاً عن التكوين النفسي للرهب ـ أياً كان موقعه ـ والذي يجعله صعب المراس معتداً برأيه.
وفي مقال عن الأب متى المسكين للدكتور صموئيل روبنسون،استاذ التاريخ بجامعة لوند بالسويد، ترجمة د. جرجس كامل يوسف، اقترب في بعض فقراته من هذه الأزمة، في تناول محايد مجرد، استأذن القارئ في نقلها هنا دون تدخل:
لم يكُن الأبُ متى عالم لاهوت نظامي مُدرَّبًا أكاديميًا،
بل كاتبًا روحانيًا مُتعمِّقًا في قراءة
الأدبيات اللاهوتية، سواءً القديمة منها أو الحديثة.
تُغطي كتبه ومقالاته شتى المواضيع
والأنواع الأدبية، من تفاسير الكتاب المقدس
والرسائل اللاهوتية إلى الدراسات التاريخية
والقضايا المعاصرة المتعلقة بسياسة الكنيسة
والمجتمع.
وهو مُدافع قوي عن إصلاحٍ جذري، انطلاقًا من
قراءةٍ جديدةٍ للأدبيات القديمة، مُنسجمةً
مع التوجه الجديد الذي كان سائدًا في اللاهوت
الأرثوذكسي اليوناني والروسي.
أبدى البابا شنودة رد فعل قوي عندما عارضه الأب
متى بالدفاع عن الرئيس أنور السادات فيما يتعلق
بزيارة الأخير إلى اورشليم القدس عام 1977،
وعندما خالف متى القانون الكنسي باستقباله راهبًا
قبطيًا كاثوليكيًا في الدير في أواخر سبعينيات القرن
الماضي. وتدهورت علاقتهما أكثر عندما أبدى الأب
متى دعمه الصريح للأستاذ جورج بباوي، وهو عالم
لاهوت قبطي قدير وشهير، عندما انتقد اللاهوت
القبطي التقليدي، بما في ذلك التوجيهات اللاهوتية
التي كان يقدمها البطريرك، استنادًا إلى آباء الكنيسة
واللاهوت الأرثوذكسي المعاصر
وقد سطع نجم جورج حبيب بيباوي في أواخر
سبعينيات وأوائل ثمانينيات القرن العشرين
كأهم لاهوتي في الكنيسة القبطية على الصعيد
الدولي. ويُعدّ كتابه "القديس أثناسيوس الرسولي في
مواجهته التراث غير الأرثوذكسي" (القاهرة، 1985)
أهم أعماله في مجال علم الخلاص، حيث يُحلّل فيه
نقدًا كيف استولى اللاهوت القبطي المعاصر على
علم الخلاص عند أنسلم في صورته البروتستانتية.
وعندما حاول الرئيس السادات عزل البابا شنودة
الثالث في أغسطس/آب 1981،
وأرسله إلى دير تحت الإقامة الجبرية، تصاعد
الصراع. إن علاقات الأب متى الطيبة مع
الرئيس، وموقفه النقدي من سلوك البطريرك
السياسي، وقرب العديد من الأساقفة الذين
تولوا المنصب مؤقتًا خلال غياب البطريرك منه، كل
ذلك أدى إلى استبعاده تمامًا من نظر البطريرك،
وعندما قام البطريرك بعد سنوات بحرمان
البروفيسور بباوي من الكنيسة بتهمة الهرطقة، بل
ونجح أيضًا في نفيه، اتخذ الصراع طابعًا لاهوتيًا أكثر
وضوحًا، حيث لعب مساعد البطريرك
المقرب،أسقف دمياط بيشوي، الأمين العام للمجمع
المقدس، دورًا حاسمًا.
نال الاحترام لامتناعه عن الجدال المباشر مع
البطريرك أو الأسقف بيشوي، وكذلك
لامتناعه عن الدفاع عن نفسه ضد اتهامات الهرطقة،
على الرغم من أن هذه الاتهامات أصبحت تدريجيًا
أكثر حدة.
يستعين الأب متى بنصوص من الكنيسة الأولى ومن
اللاهوت الأرثوذكسي والغربي
الحديث. وما يضفي على كتاباته ثقلها ليس
بالضرورة أصالةً أو إبداعًا لاهوتيًا، بل
رسوخها الواضح في تجربته الروحية الخاصة بالحياة
الرهبانية والليتورجية، من جهة، وجرأة لغته، من
جهة أخرى.
وقد حظيت بعض كتابات الأب متى المسكونية
باهتمام كبير، ولا سيما كتيبيه حول الوحدة
المسيحية، حيث ينتقد الحركة المسكونية الرسمية
بحواراتها الكثيرة، ويدعو إلى وحدة
مسيحية أعمق تقوم على وحدة الخليقة والمصالحة.
يُقدّم الأب متى شرحًا للرؤية الأساسية للكنيسة التي
تكمن وراء هذه الكتابات في أهم أعماله في علم
الكنيسة، "الكنيسة الخالدة"، الذي نُشر لأول مرة عام
١٩٦٠ وأُعيد طبعه مرات عديدة منذ ذلك الحين.
فقد دار النقاش الأكبر حول تدخلاته في القضايا
الاجتماعية ورؤيته لدور الكنيسة في
المجتمع والسياسة. وانتقد بشدة طموحات الكنيسة
القبطية في لعب دور سياسي، ورغبة
قادتها في أن يكونوا المتحدثين باسم المسيحيين في
العالم، وسعيهم لتحقيق أهداف دنيوية.
كما انتقد إنشاء المؤسسات الاجتماعية الكنسية
بمختلف أنواعها. ووفقًا للأب متى، فإن
الكنيسة حقيقة روحية، ومهمتها ذات طبيعة روحية.
وتعكس الرعاية الاجتماعية الكنسية تحديدًا ذلك
التمييز بين الغني والفقير، وبين المتعلم وغير
المتعلم، وبين السليم والمريض، الذي ألغاه المسيح.
إنّ الصدقة عملٌ دقيق وخطير روحياً على كلٍّ من
المُعطي والمُتلقي.
يجب على المسيحي، بوصفه فرداً في المجتمع، أن
يبذل قصارى جهده للعمل في ظلّ
الظروف السياسية والعلمانية غير الكاملة التي يعيش
فيها؛ ولكن في الكنيسة، لا مكان
للفصل بين الناس، وبالتالي لا شيء يُظهر للفقير
فقره.
أشد الانتقادات الموجهة للأب متى تتعلق بالكتاب
المقدس. فقد تعلم وطبق التفسير التاريخي النقدي
الحديث، مقترنًا بالتأويل الإسكندري التقليدي، لكن
البابا شنودة وغيره من قادة الكنيسة زعموا أن
السبيل لمواجهة الاتهامات الإسلامية بأن النص
المقدس للمسيحيين مزيف وغير موثوق ومتناقض،
هو اعتبار الكتاب المقدس معيارًا بسيطًا
وواضحًا ومطلقًا.
وجادلوا بأن تشجيع الالتزام الصارم
بالكتاب المقدس هو السبيل الوحيد أمام الأقلية
المسيحية للصمود في وجه الإسلام والعلمانية
الغربية.
ولهذا السبب، ينكشف النقد الشديد الموجه
للأب متى لعدم التزامه بالكتاب المقدس في
الحوارات المسكونية التي شاركت فيها الكنيسة
القبطية في العقود الأخيرة.
أما النقطة الثانية التي وُجهت للأب متى انتقادات
لاذعة فتتعلق بنظرته إلى الأنثروبولوجيا وعقيدة
التأليه.
يتضح هنا أنه بينما يتبع الأب متى (كحال
الكثير من اللاهوت الأرثوذكسي الحديث) إلى حد
كبير التعاليم السائدة في عظات أشباه المقاريين،
إلا أنه يتعرض لنفس نوع النقد الذي تعرض له أتباع
المساليين في الكنيسة الأولى. فقد شكك البابا
شنودة بشدة في التركيز الشديد على مشاركة
الإنسان في الطبيعة الإلهية، وعلى سكنى الروح
القدس فيه، وعلى الكفارة باعتبارها تحريرًا جذريًا
من سلطان الشر، إذ يتميز لاهوته بعقيدة غربية
كلاسيكية للكفارة تُشدد على السقوط، والشعور
بالذنب، والمغفرة، والنعمة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في تقديري أن أزمة التعليم الكنسي الأن تتجاوز الخلاف بين القطبين الكبيرين، ويتحمل مسئولية الأزمة الجيل التالي ـ من الأساقفة والرهبان ـ والذي لم تعد القضايا التعليمية اللاهوتية وكذلك ماهية الدورين السياسي والاجتماعي للكنيسة، من أولوياتهم، خاصة وأنهم يفتقرون لإمكانات طرفي الخلاف وما كانا يتمتعان به من كاريزما كل في دائرته. وأنا هنا لا اشير إلى مستثمري الخلاف ولجانهم الالكترونية.
ازمة الكنيسة ليست فقط في غياب هذه القضايا عند مدبريها بل بالأكثر في انهم تحولوا إلى التوسع العمراني بشكل يتجاوز الاحتياجات الحقيقية للكنيسة، وبشكل يعكس تطلعات المنافسة بينهم، وتراجع التعليم اللاهوتي الآبائي لحساب التعليم الغيبي المروج للمعجزات غير المحققة، وغياب التلمذة من الأديرة وربما من منظومة التعليم بجملتها، وانعكاس هذا على مستوى من يتم اختياره من الرهبان للخدمة النظامية بالكنيسة ولعل هذا يقدم لنا تفسيراً لأنين الرعية في الداخل والخارج، وتحول الكنيسة من التكامل بين مكوناتها إلى انفراد الإكليروس بتدبيرها.





