الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ

ينشغل كثير من الشباب والشابات بالبحث عن الجمال. والمشكلة، في رأيي، لا تكمن في هذا البحث، بل في البحث عنه في المكان الخطأ، مما يكشف سوء فهم للمعنى الحقيقي للجمال.
 
أن يولد الرجل وسيمًا، أو تولد المرأة جميلة، فهذه هبة لم يصنعها الإنسان بنفسه، ولم يبذل جهدًا لينالها. فلا فضل لأحد في الملامح التي وُلد بها.
 
أما الجمال الحقيقي، فيبدأ عندما يصبح الإنسان "صانعًا للجمال". أن تجعل البيت أكثر دفئًا وترتيبًا، والشارع أكثر نظافة، والحديقة أكثر حياة، والمكان الذي تعمل فيه أكثر إنسانيّة. أن تحسن اختيار كلماتك، وأن تنشر الذوق بدل الابتذال، وأن ترى تناسق الألوان، وتستمتع بالأدب، والموسيقى، والرسم، والنحت، والشعر، ثم تضيف إلى العالم شيئًا من هذا الجمال، ومن القدرة على الإحساس به.
 
الجمال ليس وجهًا فحسب، بل هو نظرة، ولمسة، وطريقة في العيش. وهو أيضًا طريقة في النظر إلى الأشياء الملموسة من حولنا، وفي اكتشاف ما فيها من انسجام وروعة.
 
ومن المنظور المسيحي، يُعدّ الإنسان مخلوقًا على صورة الله، والله ليس صانع كونٍ يؤدي وظيفة فحسب، بل هو "فنان الكون". لم يخلق عالمًا صالحًا للحياة فقط، بل خلقه أيضًا غنيًّا بالألوان، والتنوع، والانسجام، والروعة. ولذلك فإنّ كل إنسان يضيف جمالًا إلى هذا العالم، أيًّا كان شكله، يشارك بطريقته في عمل الخالق نفسه. كما أنّ الإنسان الذي يمتلك القدرة على اكتشاف الجمال وتذوقه لا يقل إبداعًا، لأنه يشجع الجمال، ويحتفي به، ويساعد على ازدهار المواهب الفنية والإبداعية في المجتمع.
 
ربما يبهرك الجمال الذي وُلد به شخص ما، لكن الجمال الذي يصنعه الإنسان بيديه، وذوقه، ومحبته، وإبداعه، يبقى أعمق أثرًا وأطول عمرًا.
ليس السؤال: "كم أنت جميل؟" بل: "كم جمالًا أضفت إلى العالم منذ أن وُلدتَ؟"
 
وهل ما زلت تمتلك القدرة على التمييز بين الجمال والقبح، وبين الفن والابتذال، وبين الانسجام والتلوث السمعي والبصري الذي يحيط بنا؟