د. مينا ملاك عازر
الحديث عن انفراجة قريبة في ملف العقوبات الإيرانية بعد الترخيص الأمريكي المؤقت لمدة 60 يوماً يخفي وراءه تعقيدات قانونية وسياسية ومتشابكة تمتد لأكثر من 40 عاماً. خلف كواليس هذا الإعفاء المؤقت، تبرز هندسة مالية أمريكية صارمة، وصراع نفوذ بين البيت الأبيض والكونغرس، يجعل من عودة إيران الطبيعية إلى الأسواق العالمية أمراً يحتاج إلى سنوات، وليس مجرد قرار سياسي سريع.

أولاً: كواليس "مفتاح الخزنة".. كيف يدير ترامب أموال طهران؟
الترخيص الأخير الصادر عن وزارة الخزانة الأمريكية يمنح إيران فرصة لجني عوائد تُقدر بنحو 3 مليارات دولار خلال شهرين، وقد ترتفع لعشرات المليارات حال التمديد وإلغاء خصومات البيع للصين التي تلتهم حالياً 90% من الصادرات الإيرانية. وتمنح هذه الآلية طهران قدرة أسرع على الوصول إلى الإيرادات من خلال شمول النطاق للخدمات المصرفية والتأمينية والنقل المرتبط بتجارة الطاقة. لكن طهران لن تلمس دولاراً واحداً نقداً.

ما فعله الرئيس دونالد ترامب هو تطبيق آلية "الحساب المُدار" (Escrow Account). بموجب هذه الآلية، تودع عوائد بيع النفط والمنتجات البتروكيماوية الإيرانية في بنوك وسيطة خاضعة بالكامل لرقابة مكتب مراقبة الأصول الأجنبية الأمريكي (OFAC). لا تُصرف هذه الأموال إلا لتغطية اعتمادات مستندية لشراء سلع إنسانية، وأغذية، وأدوية، ومستلزمات مدنية تحددها واشنطن. هذا التكتيك يضمن لترامب الإفراج عن النفط لتهدئة الأسواق العالمية، مع إبقاء "مفتاح الخزنة" في جيبه، مانعاً وصول أي سيولة نقدية للحرس الثوري الإيراني أو الفصائل الحليفة له في المنطقة.

ثانياً: "تقشير البصلة".. شبكة عقود من العقوبات المتداخلة
يوضح مات زويج، المدير التنفيذي للسياسات في مؤسسة "إف.دي.دي أكشن" (FDD Action)، أن تفكيك العقوبات الممتدة لعقود يشبه تماماً تقشير بصلة، حيث تتكشف طبقات من التعقيدات القانونية والسياسية في كل خطوة تخطوها الإدارة.

بدأت الولايات المتحدة فرض عقوبات على إيران عام 1979 عقب أزمة احتجاز الرهائن في السفارة الأمريكية بطهران. ومنذ ذلك الحين، أقر الكونغرس 6 قوانين رئيسية للعقوبات، بينما أصدر رؤساء أمريكيون متعاقبون أوامر تنفيذية استهدفت البرنامج النووي الإيراني ودعم طهران لجماعات تصنفها واشنطن إرهابية، من بينها حماس وحزب الله والحوثيون في اليمن. ورغم أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يستطيع إلغاء بعض الأوامر التنفيذية المتعلقة بإيران، فإن أجزاء أخرى من منظومة العقوبات، خصوصاً تلك المرتبطة بكيانات وفصائل مسلحة، تستند إلى تشريعات لا يمكن تعديلها إلا عبر الكونغرس، حيث يواجه أي تخفيف محتمل معارضة سياسية واضحة من بعض المشرعين.

ثالثاً: كابوس الامتثال وشطب القوائم السوداء
يشير جيريمي بانر، الشريك في شركة المحاماة الدولية (Hughes Hubbard & Reed) والمسؤول السابق في ملف العقوبات الأمريكية، إلى أن إزالة آلاف الكيانات من قوائم العقوبات عملية معقدة للغاية وقد تستغرق عاماً على الأقل من الفحص والمراجعة الجنائية والقانونية. تشير بيانات وزارة الخزانة الأمريكية إلى أن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC) فرض منذ مطلع عام 2025 وحده عقوبات على أكثر من 1000 فرد وسفينة وطائرة، وبالتالي فإن تنظيف هذه القوائم يتطلب جهداً إدارياً هائلاً وفترة زمنية طويلة.

رابعاً: مخاطر القطاع الخاص والملاحقات القضائية
يؤكد خوان زاراتي، نائب مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق لشؤون مكافحة الإرهاب، أن نظام العقوبات على إيران يمثل شبكة متشابكة لا تقتصر على الأوامر التنفيذية بل تشمل تشريعات الكونغرس. وأضاف زاراتي أن الأسواق والمؤسسات المالية تم تكييفها على مدار سنوات طويلة على افتراض أن التعامل مع إيران ينطوي على مخاطر مرتفعة للغاية، ولا يمكن تغيير هذا الواقع التجاري والنفسي بمجرد قرار سياسي سريع أو ترخيص مؤقت.

علاوة على ذلك، تواجه البنوك وشركات الطاقة والتأمين بيئة تنظيمية معقدة تشمل قواعد متغيرة وتدقيقاً صراماً، ومخاطر التهرب من العقوبات المرتبطة بعلاقات إيران مع دول مثل الصين وروسيا وكوريا الشمالية، فضلاً عن استمرار العقوبات المنفصلة الصادرة عن بريطانيا والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة.

من جانبه، يوضح بريت إريكسون، المدير في شركة الاستشارات الدولية "أوبسيديان ريسك أدفايزرز" (Obsidian Risk Advisors)، أن الشركات الاستثمارية العالمية ستبقى حذرة للغاية ما دامت المخاطر القانونية والسياسية مرتفعة، مشيراً إلى أن الالتزامات الاستثمارية الكبرى لن تعود إلى طهران قبل ترسيخ استقرار سياسي واضح، مؤكداً أنه لا يزال الطريق طويلاً جداً قبل أن يصبح التعامل مع إيران أمراً طبيعياً في الأسواق العالمية.

ولا تزال الشركات أيضاً مهددة بدعاوى قضائية من ضحايا هجمات يمكنهم ملاحقة أي كيانات متهمة بدعم جماعات مدرجة على قوائم الإرهاب بموجب قانون "العدالة ضد رعاة الإرهاب" الصادر عام 2016، وهو تشريع يرجح الخبراء استمراره دون أي تعديل أو تغيير.

الخلاصة:
الخطوة الأمريكية الأخيرة ومذكرة التفاهم المكونة من 14 بنداً هي مجرد "تهدئة مؤقتة ومقيدة" وليست صك غفران اقتصادي شامل. إن نظام العقوبات الدولي المفروض على إيران تحول عبر العقود إلى بنية قانونية وتجارية معقدة ومتجذرة في النظام المالي العالمي، والشركات الكبرى لن تغامر باستثمارات ضخمة وطويلة الأجل ما لم يترسخ استقرار سياسي وتشريعي كامل، وهو مسار طويل وشائك يستغرق سنوات.