جيهان بسطا
يُعد التحول من منظومة الدعم العيني (السلع المدعمة) إلى منظومة الدعم النقدي المشروط خطوة اقتصادية جريئة، والهدف الأساسي منها ليس مجرد تغيير آليات الصرف، بل القضاء الجذري على "تسرب الدعم" وإنهاء ظاهرة السوق السوداء التي استمرت لعقود.
هذا التحول يرتكز على محاور ذكية تضمن ضرب الفساد في مقتل، وتتلخص في الآتي:
1. تجفيف منابع "السوق السوداء" لدى بدالي التموين
*الوضع الحالي: الفجوة الكبيرة بين سعر السلعة التموينية (مثل السكر بـ 12.60 جنيه والزيت بـ 30 جنيه) وسعرها الحقيقي في السوق الحر، تخلق إغراءً كبيراً لبعض التجار لتخزين السلع أو ادعاء نفاذها لتهريبها وبيعها في السوق السوداء وتحقيق أرباح غير مشروعة.
*آلية الحل النقدي: بوصول السلع إلى منافذ التموين بسعر السوق الحر مباشرة، تختفي "الميزة السعرية" للسلعة المدعمة. لم يعد لدى التاجر سلع رخيصة يمكن احتكارها أو تهريبها، لأن أسعاره أصبحت مطابقة للسوق، مما يقتل الفساد في هذه الحلقة تماماً.
2. رفع كفاءة القوة الشرائية للمواطن (مضاعفة الدعم الفردي)
* إن زيادة الدعم النقدي المخصص للفرد (من 50 جنيهاً إلى 100 جنيه كمثال) هي خطوة حمائية ضرورية لمواكبة تحرير أسعار السلع. الهدف هنا هو الحفاظ على القوة الشرائية للمواطن البسيط، بحيث تضمن له الدولة مظلة مالية مرنة تمكنه من شراء احتياجاته الأساسية الحقيقية دون أن يتأثر بآليات السوق الحر.
3. ثورة في منظومة الخبز: تعظيم قيمة "الرغيف غير المستهلك"
*الوضع الحالي: نظام "نقاط الخبز" الحالي يحسب الرغيف غير المستهلك بـ 10 قروش فقط، وهي قيمة ضئيلة جداً لا تشجع المواطن على التوفير، بل تترك مساحة لبعض أصحاب المخابز لتجميع البطاقات وضربها وهمياً للاستفادة من فروق الدعم الهائلة.
*آلية الحل النقدي: عند احتساب الرغيف الذي يوفرّه المواطن بقيمته القريبة من التكلفة الفعلية (جنيه أو أكثر)، يتحول الوفر إلى عائد نقدي ملموس ومحترم في محفظة الأسرة.
*الأثر الرقابي:هذا التعديل يمنع تماماً تلاعب المخابز؛ فالمواطن لن يفرط في بطاقته أو يترك رغيفاً واحداً طالما عرف أن البديل هو دعم نقدي حقيقي مضاف لحسابه.
---
الخلاصة: المواطن هو "مفتش التموين" الأول
إن الفلسفة الحقيقية وراء هذا القرار هي نقل سلطة الرقابة من يد "مفتش التموين" إلى يد "المواطن نفسه".
عندما يتحول الدعم إلى مالٍ يملكه المواطن في بطاقته، يصبح هو الرقيب الأول على ميزانيته، وينتهي زمن السلع المخفضة التي يطمع فيها الفاسدون. نجاح هذه المنظومة يضمن وصول كل جنيه دعم إلى مستحقيه الفعليين، ويجعل من المواطن شريكاً أساسياً في ضبط الأسواق وحماية أموال الدولة.





