(د. أشرف ناجح إبراهيم عبد الملاك)
أواصل تقديمَ حُزمة مختارة من رسائل البابا لاوُن الرابع عشر التي نادى بها –بجراءةٍ ومحبّةٍ للحقيقة– في الأراضي الإسبانيّة. وأعرض هذه الرسائلَ الحَبريّة متّبِعًا الترتيب الزمنيّ لمحطات هذه الزيارة الرسوليّة.
4. سرُّ الإفخارستيّا وحضور المسيح الحَيّ
في عظته بمناسبة عيدِ جسد الربّ ودمه الأقدسَين، في ساحة سيبيلس بمدريد (7 يونيو/حزيران 2026)، أوضح البابا لاوُن الرابع عشر كيف أنّ المسيح الحَيّ الحاضر دائمًا حضورًا حقيقيًّا وجوهريًّا في سرِّ الإفخارستيّا، على مدار جميع الأزمنة والأماكن، هو عينه الحاضرُ بيننا أيضًا، بل فينا، وفي شوارعنا وساحاتنا وحياتنا اليوميّة:
«اجتمعنا حول سرّ الإفخارستيّا، عطيّة الله لنا، وهو المسيح الحَيّ الحاضر بيننا. هو الذي أراد أن يقدّم لنا حياته ليُدخلنا في شركة الآب ويجعلنا أبناءه، هو هنا، الخبز الحَيّ النّازل من السّماء، يغذّينا بحياة الله نفسها، بمحبّة أقوى من الموت. [...]
المسيح في احتفال الإفخارستيّا يقدّم نفسه لنا غذاء، والتّطواف يقول إنّه لا يبقى محبوسًا في الكنيسة، بل يخرج للقائنا. يسوع يسير في الشّوارع، ويعبر السّاحات، ويزور أحياءنا، ويسكن في أماكن حياتنا اليوميّة. إنّه الإله القريب الذي يسير مع شعبه، ربّ التّاريخ، وعزاء الضّعفاء، ونور العائلات، ورجاء المرضى، وسلام المتألّمين. المسيح الذي يمرّ في الشّوارع في القربان الأقدس هو نفسه الذي يساوي نفسه مع الفقراء، والمكتئبين، والوحيدين، والمهملين. ليس من قبيل الصّدفة أنّ الكنيسة هنا، في إسبانيا، قد جمعت مدّة سنوات بين عيد جسد الرّبّ ودمه الأقدسَين وبين يوم المحبّة.
وليس الأمر هو فقط الخروج بشعاع القربان الأقدس في التّطواف، بل القضيّة هي أن نخرج نحن من الأنانيّة واللامبالاة والإيمان المريح والمحصور في شخصنا، نخرج لنستجيب لدعوته إيّانا إلى التّوبة، ولتغيير نظرنا، وقبول حضوره الذي يغيّرنا ويجعلنا بناة لعالم جديد. لذلك، فإنّ الذّكرى التّاريخيّة لتطواف عيد جسد الرّبّ ودمه الأقدسَين لا تسمح بأن نبقى سجناء في ذكريات وحنين إلى الماضيّ، بل يتحوّل، بدلًا من ذلك، إلى دعوة للحاضر، ولحياتنا الشّخصيّة، ولعلاقاتنا، وللمجتمع، ولبناء المستقبل».
5. الكنيسةُ الخبيرة في الإنسانيّة والسّؤالُ الحاسم المتعلّق بالإنسان وبهويّته وكرامته وثقافته ومستقبله
قد التقى البابا لاوُن الرابع عشر مع "عالَم الثقافة، والفنّ، والاقتصاد، والرّياضة"، في مدرّج Movistar - بمدريد (7 يونيو/حزيران 2026)، من أجل نسجِ شبكاتٍ بين هذا العالَم وبين الكنيسة، التي هي بدورها "خبيرةٌ في الإنسانيّة". وانطلاقًا من يسوع المسيح، "يبقى الإنسان دائمًا طريق الكنيسة". ولذا، فالكنيسةُ تسعى جادّةً إلى حوارٍ اجتماعيّ مع جميع الأطراف، وعلى مستوياتٍ عدّة، وفي مختلف قطاعات النشاط البشريّ. ويمكن مقارنة هذا الحوار الضروريّ والخصب بـ"فنّ نسج الشبكات". وقد أكّد قداسة البابا على ما يلي:
«في هذا السّياق، تودّ الكنيسة أن تبقى في حوار مع العالم المعاصر، وهي مدركة لنجاحاتها وأخطائها على مرّ التّاريخ. الرّغبة في الخير والجمال والحقيقة متجذّرة في جوهر الإنسانيّة، وانطلاقًا من هذا التّطلّع الإنسانيّ العميق ومن خبرتنا التي تمتدّ لقرون عديدة، تقترح الكنيسة مسارات لحياة كريمة وللخير العام. في هذا الصّدد، أكّد القدّيس البابا بولس السّادس أمام الأمم المتّحدة أنّه بغضّ النّظر عن الرّأي حول حَبْر روما الأعظم، فإنّ رسالته معروفة جيّدًا. وبما أنّ الكنيسة "خبيرة في الإنسانيّة"، فهي لا تتجاهل أيّ شيء إنسانيّ حقًّا (راجع فرح ورجاء، 1). لذلك "هذا الموقف من الحوار هو جزء لا يتجزّأ من دعوة الكنيسة" (رسالة بابويّة عامّة، الإنسانيّة الرّائعة، 2). اليوم نلاحظ أنّ السّؤال الحاسم لا يزال هو نفسه: ما معنى أن أكون إنسانًا حقًّا؟
الكنيسة تشارك بتواضع وبحزم أيضًا ما اكتشفته في خبرة الإيمان: وهو أنّ يسوع المسيح يجيب على الأسئلة الكبيرة عن الحياة البشريّة في ملئها، في هذا العالم وحتّى بلوغها ذروتها في الأبديّة. "لذلك، يبقى الإنسان دائمًا طريق الكنيسة، وقلب كلّ مسار حقيقيّ للتنمية البشريّة المتكاملة" (المرجع نفسه، 50). وبالتّالي، لا يمكن للكنيسة أن تتجاهل الثّقافة، لأنّ الإنسان من خلالها، يصير أكثر إنسانيّة (راجع خلاصة تعليم الكنيسة الاجتماعيّ، 554).
ولأنّ "الثّقافة" تستدعي "الزّراعة"، كما تشير الجذور اللغويّة المشتركة بين المُصطلحَين، فإنّنا مدعوّون إلى أن نسأل أنفسنا: ما الذي نزرعه اليوم، وما الذي يزهر وما الذي يذبل بصمت في مجتمعنا، وما هي القيم التي نحافظ عليها والقيم التي نتركها تموت. إنّها أسئلة عميقة وضروريّة ولا يمكننا أن نتجاهلها. للإجابة على هذه الأسئلة، نحن بحاجة إلى حوار اجتماعيّ، يمكننا مقارنته بفنّ نسج الشّبكات، الذي يقوم على اللقاء والإصغاء والحوار والاحترام [...]
لذلك، نسج الشّبكات هو حوار بين المؤسّسات يركّز على كرامة الإنسان. وهذا يعني، على سبيل المثال، ألّا تُدير الجامعة ظهرها لعالم العمل وألّا تتخلّى عن الحقيقة، وألّا تنظر الأنشطة التجاريّة إلى الموظّف على أنّه عنصر بسيط في معادلة مصالحها، وألّا يقتصر هدف الفنّ على النّخبة فقط، وألّا تُحصر الرّياضة في مجرّد عرض أو تتحوّل إلى مجرّد تجارة، وأن يأخذ التّقدّم التكنولوجيّ في الاعتبار المسنّين والفقراء ومن لا صوت لهم. مساهمتنا في الحوار، انطلاقًا من رؤية مسيحيّة للحياة، تُدرِك أنّ الخالق نسج الإنسان بخيوط من الحبّ، لأنّه خُلق على صورة الله ومثاله، الذي هو محبّة (1 يوحنّا 4، 8 ). هنا يكمن أساس الكرامة الإنسانيّة غير القابلة للتصرّف، واحترامها المطلق هو أساس الحوار».
6. مشاركةُ الكنيسة للبشريّة في سيرها نحو مستقبلٍ أفضل
في كلمته أثناء لقائه مع "أعضاء البرلمان الإسبانيّ في مجلس النوّاب"، بمدريد (8 يونيو/حزيران 2026)، أوضح البابا لاوُن الرابع عشر أنّ الكنيسة تشارك البشريّةَ جمعاء في مسيرتها بجميع أبعادها، وسعيها نحو مستقبلٍ أفضل. وأنّ الكنيسة تعترف بـ"استقلاليّة الواقع الدّنيويّ" و"التّمييز بين الجماعة الكنسيّة والجماعة السّياسيّة". وفي الوقت عينه، هي مهمومةٌ بمفهوم الإنسان الذي يُلهم القوانين، ونوعيّة المجتمع الذي تبنيه القوانين المدنيّة. كما أنّ الكنيسة، انطلاقًا من إيمانها والحسّ السليم، تُولِي أهمّيّةً كبيرةً لمبدأ "الخير العامّ"؛ وكذلك للعائلة، التي هي "الحقيقة الإنسانيّة الأولى والأساس الطّبيعيّ للجماعة"، و"المدرسة الأولى للإنسانيّة"؛ ولقضيّة "السلام" أيضًا بوصفها أكثر من مجرّد تطلّعٍ سياسيّ وضرورةٍ أخلاقيّة حقيقيّة. وفي هذا الصدد، صرّح قداسة البابا بأنّ:
«الكنيسة "تسير مع البشريّة"، وتشاركها آمالها وجراحها، وتصغي إلى تساؤلات كلّ عصر، وتتجاوب "مع كلّ ما يتعلّق بوجود رجال ونساء اليوم". لذلك، عندما تتوجّه إلى الحياة العامّة، فإنّها تقوم بذلك مع احترام رسالة المؤسّسات الخاصّة والمسؤوليّة المشروعة لمن تلقّوا تفويضًا للتشريع. وهي تعترف بـ"استقلاليّة الواقع الدّنيويّ" و"التّمييز بين الجماعة الكنسيّة والجماعة السّياسيّة"، وانطلاقًا من هذا الوعي بالتّحديد، تقدّم تأمّلًا ينبع من الرّغبة في خدمة الخير العام والتّذكير بما يجعل العيش المشترك إنسانيًّا حقًّا (راجع الإنسانيّة الرّائعة، 18-19) [...]
الخير العام، بمعنى ما، هو "الصّورة الاجتماعيّة للكرامة الإنسانيّة" (راجع الإنسانيّة الرّائعة، 59). وهو لا يتمثّل في مجرّد مجموعة المصالح الخاصّة، بل في "مجموعة أوضاع وظروف اجتماعيّة تسمحُ للجماعات ولكلّ فرد من أفرادها بالوصول إلى الكمال بطريقةٍ أسهل وأكثر شموليّة" (فرح ورجاء، 26). عندما يكُفُّ الخير العام عن أن يكون أفقًا مشتركًا، يوشك العمل العام أن يتفتّت إلى مصالح جزئيّة، غير قادرة على حماية ما هو ملك للجميع.
في هذا السّياق، تكتسب العائلة أهمّيّة خاصّة، باعتبارها الحقيقة الإنسانيّة الأولى والأساس الطّبيعيّ للجماعة. في البيت تتشابك الأجيال وتُنقل ذاكرة حيّة تضفي استمراريّة داخليّة على المجتمع. وحيث توطَّد العائلة، يتعزّز أيضًا الاستقرار الرّوحيّ والاجتماعيّ للأمم. ستبقى العائلة دائمًا المدرسة الأولى للإنسانيّة التي نتعلّم فيها، قبل أيّ مكان آخر، القواعد الأساسيّة للعيش معًا: أي تقبُّل الحياة، ورعاية الآخر، والمغفرة، والخدمة، والانتماء [...]
غير أنّ السّلام ليس مجرّد واقع سياسيّ أو مؤسّسيّ. فهو يولد أيضًا في الضّمير، حيث يفسح الحقد واللامبالاة والكراهية المجال للمصالحة. لهذا فإنّ السّلام يُرسَّخ ويُصان أيضًا باللغة. فالكلمات يمكنها أن تفتح الطّرق أو أن تغلقها، ويمكنها أن تنير الواقع أو أن تشوّهه إلى حدّ يجعل اللقاء مستحيلًا».
7. رحلةُ المؤمنين نحو الله وكنوزها الثمينة، ومهمّةُ الأسقف المتعلّقة بالوَحدة والشّركة، وحَمْلُنا للبُشرى السّارّة للجميع
في لقائه "مع أساقفة إسبانيا"، في مقرّ مجلس الأساقفة بمدريد (8 يونيو/حزيران 2026)، قد تأمّل البابا لاوُن الرابع عشر في «صورةِ رحلةٍ يكون الله فيها هو الهدف، وإليه نرفع نظرنا. إنّها رحلة فريدة من نوعها، لأنّنا في الحقيقة لا نتحرّك فيها جسديًّا، لكنّنا نريد أن نطلق العنان فيها لقلوبنا«. وفي هذا السياق عينه، تحدّث قداسته عن "التجارب" التي تراود المسافرين في هذه الرحلة، وعن "الكنوز الثمينة" التي ينبغي للمسافرين حملها معهم: على غرار "الحكمة والحرّيّة والشجاعة"، و"خبز كلمة الله والإفخارستيّا"، و"القدرة على التواصل مع الآخر". وفيما يتعلّق بكلمة الله والإفخارستيّا، شَرح قداسة البابا ما يلي:
«كنزٌ آخر لا يمكن أن ننساه في حقيبتنا هو زاد الحاجّ. خبز كلمة الله والإفخارستيّا أكثر ضرورة لنا من الغذاء الماديّ، لأنّهما يفتحان أمامنا طريق الخلاص. ليس الأمر هو مسألة جعل الاحتفال أكثر أو أقلّ جاذبيّة، بل هو أن نشعر بأنّنا إن كنّا جزءًا منه، فإنّ غيابه يثير فينا قلقًا واضطرابًا يمكن مقارنته بالجوع الماديّ. الحياة الأسراريّة تضبط إيقاع حياتنا كما يتلقّى الطّفل غذاءه من أمّه، وكما يقيس الرّياضيّ قواه اللازمة لبلوغ الهدف».
ومن جهةٍ أخرى، أكّد قداسةُ البابا على مسؤوليّة الأساقفة فيما يتعلّق بالوَحدة والشّركة؛ فقال:
«في هذه المهمّة، خدمة الأسقف تتحمّل مسؤوليّة خاصّة. نحن مدعوّون إلى أن نكون مبدأً منظورًا للوَحدة والشّركة، أوّلًا في الوَحدة والشّركة مع المسيح، فنحفظ بمحبّة الإيمان الذي تسلّمناه، وفي طاعة لكلمة الله ولتقليد الكنيسة الحَيّ، ومن ثمّ في الوَحدة والشّركة مع خليفة القدّيس بطرس ومع الكنيسة الجامعة، ومع الكهنة وجماعة الأبرشيّة الخاصّة، ومع الحياة المكرّسة، والحركات، والجمعيّات، وكلّ موهبة أصيلة يمنحها الرّوح من أجل البناء المشترك. رسالتكم تدعوكم إلى أن تحافظوا على الوَحدة، وتعزّزوا الحوار، وتشفوا الانقسامات، وترافقوا مسيرة الشّعب الموكول إلى رعايتكم».
أمّا في كلمته أثناء "اللقاء مع جماعة الأبرشيّة في مدريد"، في مدرّج سانتياغو بِرنابيو (Stadio Santiago Bernabéu) بمدريد في اليوم عينه (8 يونيو/حزيران 2026)، قد شجّعنا البابا لاوُن الرابع عشر لحَمْل البُشرى السارّة للجميع، إذ إنّ الله «رحمةٌ لا متناهية ويريد أن يخلِّص الجميع. يريد ذلك لدرجة أنّه صار إنسانًا وحمل على عاتقه كلّ خطيئة وشرّ وسلبيّة في العالم. هذا هو يسوع المسيح! هذه هي البُشرى السّارّة، النّعمة التي نلناها والتي أُرسلنا لنتقاسمها مع الجميع. لأنّ الجميع، دون استثناء، خلقهم الله للحياة ولمِلءِ الحياة».
8. شهودٌ وأنبياءٌ للوَحدة، والترحيب، والوِئام، والسلام
في عظته "في صلاة الساعة الوسطى"، في كاتدرائيّة الصليب المقدَّس والقدّيسة أولاليا (Eulalia) ببرشلونة (9 يونيو/حزيران 2026)، حَثّنا البابا لاوُن الرابع عشر لنكون مستعدين لنصير شهداء وشهودًا وأنبياءً للوَحدة، والتّرحيب، والوِئام، والسّلام:
«أيّها الإخوة والأخوات الأعزّاء، بهذه الرّوح نريد نحن أيضًا، في عالَم تمزّقه الحروب والانقسامات، وفي مجتمع يزداد تفتتًا وأنانيةً، أن نكون "شهداء"، أي شهودًا وأنبياءً للوَحدة، والتّرحيب، والوِئام، والسّلام، حتّى لو كان ذلك على حساب التّضحيّات والتّنازلات. مثل أولاليا العذراء والعديد من الشّهداء الآخرين، نريد أن نجيب بـ"نعم"، ونكون مستعدّين، إن لزم الأمر، أن نموت عن أنفسنا، ونخسر أنفسنا لنجدها من جديد، ونتخلى عن الفائض عن حاجتنا لنبني على ما هو أساسيّ ويبقى إلى الأبد (راجع متّى 16، 24-26).
هذا ما يعلّمنا إياه الرّبّ المصلوب، وهذا ما يدعونا إليه الرّسول بولس وأمثلة القدّيسين، وهذا ما نريد أن نعمله معًا، وفقًا لصلاة يسوع إلى الآب، خلال العشاء الأخير: "أَنا فيهِم وأَنتَ فِيَّ، لِيَبلُغوا كَمالَ الوَحدَة، ويَعرِفَ العالَمُ أَنَّكَ أَنتَ أَرسَلتَني، وأَنَّكَ أَحبَبتَهم كَمَا أَحبَبتَني" (يوحنّا 17، 23)».
[يُتبَع]





