د.ماجد عزت إسرائيل
المعلم إبراهيم الجوهري، يُعد من أشهر أقباط مصر في العصر العثماني، ومن أبرز الشخصيات التي تركت أثرًا عميقًا في الحياة الدينية والاجتماعية والإنسانية في تاريخ مصر. فقد كان رجلًا اتسم بسعة القلب، ولم يكن يفرّق بين إنسان وآخر بسبب الدين أو اللون أو الطائفة أو المكانة الاجتماعية، فسبق بروح حياته كثيرًا من الشعارات الحديثة المرتبطة بحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية.
وعندما تنيح في 25 بشنس 1511ش، الموافق 31 مايو 1795م، ودّعه الناس في مشهد مؤثر سجله المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي ضمن أحداث تلك السنة، حيث أشار إلى حالة الحزن العام والبكاء والنواح التي صاحبت رحيله، وهو ما يكشف عن مكانته الرفيعة في قلوب الناس، لا بين الأقباط فقط، بل بين قطاعات واسعة من المجتمع المصري.
وقد عُرف المعلم إبراهيم الجوهري بعدة ألقاب، من أبرزها لقب "سلطان القبط"، وهو لقب لم يكن يعني سلطانًا بالمعنى السياسي أو صاحب مملكة أرضية، بل جاء تعبيرًا عن اتساع عطائه ورعايته للفقراء والمحتاجين. فكان رعاياه الحقيقيون هم الفقراء والمعوزون والأيتام والأرامل وكل من له احتياج، ولذلك التصق به هذا اللقب بوصفه سلطانًا في الرحمة والعطاء. وينسجم هذا المعنى مع الآية الكتابية: “وَلكِنْ مَنْ أَنَا، وَمَنْ هُوَ شَعْبِي حَتَّى نَسْتَطِيعَ أَنْ نَنْتَدِبَ هكَذَا؟ لأَنَّ مِنْكَ الْجَمِيعَ وَمِنْ يَدِكَ أَعْطَيْنَاكَ.” (1 أخ 29: 14).
وقد أكدت بعض النقوش التاريخية حصوله على هذا اللقب، ومن ذلك ما ورد في قطمارس، وكذلك في حجاب أحد الهياكل في دير الأنبا بولا بمنطقة البرية الشرقية. كما حمل لقب "معلم"، وهو من الألقاب الرفيعة التي كانت تطلق في العصر العثماني على الكتبة وكبار رجال الدولة، بل وعلى كبار المباشرين، بما يوازي في الاصطلاح الحديث مكانة إدارية رفيعة.
ولمكانته المتميزة، ومحبته، وخدماته الواسعة، حفظت له الكنيسة القبطية مكانة خاصة، حتى ذكرت اسمه في السنكسار، وهو الكتاب الذي تُسجل فيه سير القديسين وتذكاراتهم، ويُستخدم ضمن قراءات الكنيسة. ولذلك يُذكر اسمه سنويًا في يوم نياحته، الموافق 25 بشنس / 31 مايو 1795م، في دلالة واضحة على أن الكنيسة رأت في حياته نموذجًا فريدًا للعطاء والإيمان والخدمة. أما جسده، فقد دُفن في مقبرة آل الجوهري بجوار كنيسة الشهيد العظيم مار جرجس بمنطقة مصر القديمة، وقد جرى ترميم هذه المقبرة في عهد البابا يؤانس التاسع عشر، البطريرك رقم 113، وذلك سنة 1938م. وهكذا يبقى المعلم إبراهيم الجوهري واحدًا من الشخصيات القبطية النادرة التي جمعت بين المكانة والنفوذ من جهة، وبين.





