محرر الأقباط متحدون
البابا يستقبل كُتّاباً وكاتبات من مختلف أنحاء العالم، بمناسبة المئوية الأولى لتأسيس دار النشر التابعة للكرسي الرسولي، ويكرر عليهم كلمات البابا بولس السادس للفنانين: "نحن بحاجة إلى خيالكم، وإبداعكم السردي، وتفكيركم الحي. نحن بحاجة إلى هذه الأمور لخلق فسحات من الحرية والأصالة"

استقبل قداسة البابا لاوُن الرابع عشر، صباح اليوم الأربعاء في قاعة بولس السادس بالفاتيكان، حشداً غفيراً من الأدباء'> الأدباء والكتّاب والمفكرين القادمين من مختلف دول العالم، والذين توافدوا إلى روما للمشاركة في إحياء الذكرى المئوية لتأسيس دار النشر التابعة للكرسي الرسولي، وللمناسبة وجّه الأب الأقدس كلمة رحّب بها بضيوفه وعبر فيها عن تقديره العميق لرسالة الكتابة والتدوين، واصفاً إياها بأنها "فعل حقيقة" يبرز جوهر الهوية الإنسانية وتطلعاتها نحو المستقبل.

قال البابا لاوُن الرابع عشر يسعدني أن أرحب بكم، أنتم الكُتّاب القادمون من مختلف أنحاء العالم، والذين اجتمعتم في روما للاحتفال بالذكرى المئوية لتأسيس دار النشر التابعة للكرسي الرسولي، والتي أُسست عام ١٩٢٦. تعد هذه اللحظة مناسبة ملائمة للتأمل في أهمية الكتب والكتابة؛ شكل من أشكال التعبير الإنساني الذي تعملون فيه، بتنوع أساليبكم ولغاتكم، كمعلمين ونماذج يُحتذى بها.

تابع الأب الأقدس يقول إنّ الكتابة، كما تعلمون، هي فعل حقيقة وكشف؛ فهي تكشف من نكون، وما نؤمن به ونرجوه، والعالم الذي نسعى لبنائه، والمستقبل الذي نحلم به. وفي هذا السعي نحو الحقيقة، نشعر بأن الحقيقة رقيقة، تتجلى لنا في حوارنا الداخلي مع الله وفي حوارنا المنفتح والمحترم مع قريبنا. وعلاوة على ذلك، "الحقيقة ليست أرضاً يجب الدفاع عنها، بل خيرٌ يجب مشاركته". نحن لسنا أبداً سادة للحقيقة؛ وإن كان ثمة شيء، فهو أن الحقيقة هي التي "تغزو" أرواحنا. ولهذا آمل أن تلهموا الآخرين لينجذبوا إلى الحقيقة، لأنكم أنتم أنفسكم منجذبون إليها.

أضاف الحبر الأعظم يقول إضافة إلى ذلك، الكتابة هي فعل إنساني. وكما لاحظ الكاتب القديم تيرنس: "أنا إنسان، ولا أعتبر أي شيء إنساني غريباً عني". وبالتالي فالأدب، يشمل الطيف الكامل للخبرة الإنسانية، لدرجة أن البابا فرنسيس قد سلط الضوء على قيمته في التنشئة قائلاً: "إنّ قراءة نص أدبي تضعنا في موضع ’الرؤية من خلال عيون الآخرين‘، الأمر الذي يمنحنا اتساعاً في الأفق يوسع إنسانيتنا". نحن نطور تعاطفاً خيالياً يمكننا من التماهي مع كيفية رؤية الآخرين للواقع وخبرتهم معه والاستجابة له. وبدون هذا التعاطف، لا يمكن أن يكون هناك تضامن أو مشاركة أو شفقة أو رحمة.

تابع الأب الأقدس يقول عندما تكتبون القصص وتطورون شخصياتكم، أنتم تتماهون معهم؛ وتدركون وجهات نظرهم، وعواطفهم، ومشاعرهم، ومواقفهم. هذا هو الميدان العظيم لتدريب الإنسانية الذي تتيحون لقُرائكم بأن يختبروه؛ لأن القراء، بمعنى ما، "يعيشون" حيوات كثيرة إلى جانب حياتهم الخاصة. وهذا يساعدنا على اكتشاف وجهات نظر مختلفة، وتجنب التعامل مع آرائنا كحقائق مطلقة، وتجميع ملامح تلك الحقيقة التي تتجاوزنا دائماً، كما في لوحة فسيفساء.

أضاف الحبر الأعظم يقول وأخيراً، الكتابة تخص الله. قد يبدو هذا ادعاءً جريئاً، لكن العديد من اللاهوتيين تأملوا وكتبوا عن الانسجام بين فن الكتابة وبين وحي إله الكتاب المقدس. إن هيكل الوحي ذاته هو الذي يمنحنا السلطة للقيام بذلك. وكما كتب الكاردينال رادكليف: "بالنسبة للمسيحيين، لا شيء إنساني غريب عن المسيح. فكل محاولة للتعامل مع الأسئلة الأساسية لحياتنا - كيف نحب، كيف نكون عادلين، كيف نكون أحراراً، كيف نواجه المعاناة والموت - تساعدنا على فهم المسيح، الذي هو أكثر البشر إنسانية على الإطلاق".

تابع الأب الأقدس يقول عندما نتعمق في أعماق إنسانيتنا، فنحن لسنا بعيدين عن الله؛ فمن هناك، وسط القصص الإنسانية جداً، يكشف الله نفسه. ويتجلى إله الكتاب المقدس في التحرر من العبودية، وفي ميلاد ابن عندما بدا أن كل رجاء قد ضاع، وفي المحبة الرحيمة والأمينة. فهو يتحدث من خلال الأحداث واللقاءات، والوجوه والقصص. "الله يعمل في حياتنا من خلال ما نفعله ومن نكون، ومن خلال الأشخاص الكثيرين الذين نلتقي بهم".

وخلص البابا لاوُن الرابع عشر إلى القول ولهذا السبب أكرر لكم، أيها الكُتّاب، ما قاله القديس بولس السادس لجميع الفنانين: "نحن بحاجة إليكم". نحن بحاجة إلى خيالكم، وإبداعكم السردي، وتفكيركم الحي. نحن بحاجة إلى هذه الأمور لخلق فسحات من الحرية والأصالة، يمكن أن يتردد فيها صدى وعد العزاء والسلام بفضل النعمة الإلهية. أشكركم على كل مرة زرعتم فيها بذور المصالحة واللقاء والصداقة. لهذا السبب، أشجعكم في عملكم، وأستمطر بفرح بركة الرب عليكم وعلى أحبائكم.