هاني دانيال
جاء منتدى DW العالمي للإعلام 2026 في بون لهذا العام  تحت شعار "الصحافة بصوت عالٍ"، ليعيد طرح سؤال جوهري حول مستقبل المهنة: كيف يمكن للصحافة أن تحافظ على تأثيرها واستدامتها في عصر الذكاء الاصطناعي وهيمنة المنصات الرقمية؟، بمشاركة أكثر من 1400 صحفي، وزراء ألمان وخبراء فى صناعة النشر وكذلك من منظمات دولية يمثلون أكثر من 100 دولة، وركزت النقاشات على تحديات متصاعدة، أبرزها تراجع العائدات الاقتصادية، وسيطرة المنصات الرقمية على توزيع الأخبار، وتنامي دور الذكاء الاصطناعي، إلى جانب الانتشار الواسع للمعلومات المضللة التي تُقدَّر كلفتها العالمية بما يتراوح بين 350 و500 مليار دولار سنوياً.

يأتى ذلك فى وقت يثير الجدل محليا مشروع "يوليو" في مصر، الذي يقوده الكاتب الصحفي خالد صلاح، بوصفه محاولة لتقديم نموذج إعلامي يعتمد على السرد البصري والمحتوى السريع والفيديو التفاعلي. 
غير أن تصوير كواليس العمل الصحفي وبثها للجمهور ليس اتجاهاً استثنائياً أو فكرة جديدة، بل يندرج ضمن توجه عالمي يُعرف بـ"غرفة الأخبار الزجاجية" (The Glass Newsroom)، والذي يهدف إلى تعزيز الشفافية وتقريب الجمهور من آليات إنتاج المحتوى الإخباري وبناء الثقة مع المؤسسات الإعلامية.

لكن هذه الشفافية تظل محكومة بضوابط مهنية وأخلاقية واضحة. فالنقاشات الدولية حول مستقبل الإعلام، ومنها منتدى بون، تؤكد أهمية حماية بيئة العمل الصحفي والحفاظ على خصوصية العاملين وسلامتهم النفسية. فالشفافية لا ينبغي أن تتحول إلى انتهاك للمساحات الشخصية أو إلى وسيلة لزيادة المشاهدات والتفاعل على حساب كرامة الصحفيين واستقلاليتهم المهنية.

واللافت للنظر أن الجدل الدائر حول "يوليو" يعكس، إلى حد كبير، الأسئلة نفسها التي طُرحت في بون. فالقضية لم تعد كيف نحافظ على الشكل التقليدي للصحافة، بل كيف نحافظ على قيمها المهنية داخل أشكال جديدة تفرضها التكنولوجيا وتغير سلوك الجمهور.

ومن هنا، يبقى تقييم "يوليو" رهناً بالتجربة نفسها. فالمعيار الحقيقي ليس شكل المحتوى أو وسيلة تقديمه، بل قدرة أي مشروع إعلامي على الجمع بين جاذبية السرد الرقمي ودقة المعلومة وعمق المعالجة. وإذا نجحت هذه التجارب في تحقيق هذا التوازن، فقد تمثل أحد مسارات تطوير الصحافة. أما إذا انحازت بالكامل لمنطق الانتشار والمشاهدات، فإنها ستواجه المخاوف ذاتها التي يناقشها الإعلام العالمي اليوم.

وهكذا، يبدو أن السؤال الذي طُرح في بون يجد صداه في القاهرة: هل تستطيع الصحافة أن تعيد ابتكار نفسها كي تبقى مؤثرة، أم أن محاولات التكيف مع العالم الجديد قد تأتي على حساب جوهرها المهني؟